التي عاونتهم على الوصول إلى هذه المكانة العالية في التصوير فلابد أن نشير إلى يقظة المدارك وذكاء العقل ، وحدة المشاعر ، والتمكن من اللغة ، والإحاطة بأسرارها ، ورحابة الخيال واتساعه ، والكثير من الإمكانيات الفنية التي تمكنّهم من تحويل المادة اللغوية إلى المادة الفنية التشكيلية وعرضها عرضا مؤثرا في ثوب مبالغ مثير على السخرية . فكل هذه الأمور قد ناصرت الشاعر على شق الطريق في رسم صورة يتفرد بها ، ويسلكها في عرض كاريكاتوري أدبي ناجح فيه الطرافة والمتعة . فلاشكّ أنّ ما عرف به الشعراء الهجاؤون من حدة في الانفعال وثورة ، وتوتر ، وغضب متمثل في الطبع الساخر ، قد أعانهم إلى حد كبير على التقاط صورهم الرائعة .
فلعلّ من أبرز قدراتهم في رسم هذه الصور هو تبادل المدركات الذي تجلى في الاعتماد على أساليب التصوير المألوفة ، ومنها التجسيد الذي تكسب المعنويات فيه صفات محسوسة ومجسمة ، حيث إنّ الشعراء الكاريكاتوريين أصحاب فكر مبصر وعقل مستنير ، وقد رزقوا خطوات عظيمة في قوة التخيل ، وعبقرية التصوير . فوظفوا التصوير في بعض الأحيان لإظهار المعنويات من العيوب والقضايا الاجتماعية والسياسية . فتصاويرهم هذه تعبير عن الأحوال المعنوية المتصلة بالمحسوسات ، وغير منفصلة عنها ومعبرة عن الموقف النفسي في لحظة معينة ، فهي مزاوجة بين الفكر والتصوير ومزيج من الخيال والعقل والإحساس . ومن أمثلتها قول بشار في تجسيم بخل مهجويه بصفات محسوسة لا يريدها الشاعر نفسها ، بل يريد معناها العقلي وهو البخل ، حيث يقول :
دِينَارُ آلِ سُليْمَانٍ وَدِرْهَمُهُمْ * كَالبَابِلِيّينِ حُفّا بالعَفَاريتِ « 1 »
لا يُوجدَانِ ولا يُرجَى لِقَاؤُهُما * كَمَا سَمِعْتَ بِهَاروتٍ ومَاروتِ « 2 »
( 420 : 1 )
وكذلك قول دعبل في تصوير بخل المهجو :
إنَّ هَذَا الْفَتَى يَصُونُ رَغِيفاً * مَا إلَيْهِ لِنَاظِرٍ مِنْ سَبِيلِ
هامش
( 1 ) - نسبة إلى ناحية من الكوفة .
( 2 ) - هاروت وماروت : ملكان وقد ورد ذكرهما في القرآن الكريم في سورة بقرة في آية 102 في قوله تعالى :وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ .