تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
الأغراض الشعرية . وحمل الشعراء منذ القديم لواء قومهم مدافعين عن أحسابهم وأعراضهم ، متناولين خصومهم وأعدائهم سواء أكانت المعركة بين فرد وفرد ، أم الأسرة والأسرة ، أم العشيرة والعشيرة ، أم الأمة والأمة . فكان قولهم موضع الذكر والإكبار ، وله ألوان وضروب ترتبط بالأدب الرفيع .

1 - 3 - 1 الهجاء في العصر الجاهلي

كان الهجاء في الجاهلية مرتبطا ارتباطا وثيقا بروح الصحراء العربية ؛ لأنّ العرب عاش في جزيرتهم على شكل ابتدائي في الصحراء التي لم تكن سخيّة ولا رحيمة بأهلها ، فحياتهم كانت قائمة على التنافس الشديد والعنف الذي لا محاباة فيه ، يقول ابن خلدون إنّ العرب « أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة » ( 111 ) . كما يعتقد البعض أنّ العرب في القديم كان يثور على كل من يحاول تحديد حرّيته . فكان عصبي المزاج ، سريع الغضب ، شديد الهياج ، لكرامته المجروحة أو لانتهاك حرمة قبيلته ، فيسرع إلى السيف ويحتكم إليه ، ويبادر شاعره إلى الهجاء المقذع الذي يعرض فيه للأنساب والأحساب والأعراض والأخلاق دون المبالاة بما يعترض سبيله من سمعة أو كرامة أو أرومة ، حتى ينتصر هجاؤه ويظهر على عدوّه ويشتهر بين الأقوام . وهذا لا يعني انصراف الشعراء الجاهليين إلى الهجاء كغرض شعري يستقل بذاته ، بل كان التهاجي هو هذا الذي كان يعقب الأيام الجاهلية ، تكثر فيه الحجج ، وتتكرر المعاني التي نشهدها في الفخر ، إلا أنّه تحوّل إلى نقيض ذلك من السب والشتم والإيقاع في الأعراض . ولعلّ المعلقات التي تمثل أصفى ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي ، لخير دليل على أنّ الفخر قد غلب في البيئات البدائية على الهجاء ، وكذلك الأمر في سائر القصائد الجاهلية ، وذلك لأنّ الشاعر الجاهلي كان شاعراً أنانياً ، لا يلتفت إلا إلى نفسه ، وإذا التفت إلى الآخرين ، فلكي يدافع عن نفسه وينازع الآخرين فيما يراه حقا له . على هذا فالأحرى بنا أن لا نقول إنّ الهجاء كان ينعدم في البيئات الجاهلية البدائية ، بل إنّه كان يظهر ، في أحيان كثيرة إلى جانب الفخر ، لأنّه امتداد له ومبالغة فيه .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 33 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي