القدماء في وادي النيل وفيما بين النهرين وفي شواطئ فينيقية ، وفي المناطق ذات الحضارة العملاقة كيف كانوا يهجون ؛ إذ إنّ أكثر أدب هؤلاء قد ضاع بإضاعة أكثر أوراق البردي والنقوش واللوحات الخشبية والقرميدية ، ففقدنا ما يبين لنا لعنة الكهان على الكفار ، أو يصوّر لنا هجاء المحاربين للأعداء بعد الانتصار ، وخسرنا بذلك أكثر هذه النصوص الهجائية ، بل أدب هؤلاء بشكل عام .
لا شكّ أنّ بابل قد عرفت في مسرحياتها الدينية شيئا يشبه الهجاء ، وشهدت مصر في قصائدها ألوانا في اللعنة على سارقي القبور والكنوز ، وترنّمت الصين والهند والفرس وغيرها بقصائد الهجاء في ذمّ الشر وهادمي السلم والمعتدين على الأصنام ( انظر : الدهان 5 ) .
أمّا اليونانيون فقد كانوا في أعيادهم يشاهدون المسرحيات التمثيلية القديمة ، وفيها مشاهد من الهجاء في ذم المرأة الفاجرة ، أو اللص الباغي ، أو التاجر البخيل ، وقد وصلت إلينا بقية من هذا الهجاء في شعر أرخليكوس الذي يعتبر إماما لهذا الفن ، وقلده كثير من شعراء اليونان واللاتين ، كما نجد في أشعارهم ومسرحياتهم صوراً للهجاء في وصف حالات النفس والعيوب المعنوية ، كالبخل والثرثرة ، أو تصويراً لعاهات الجسد وملامح الوجه ، ولخير مثال على ذلك ما قالته الشاعرة سافو أو ما كتب أبيكارموس في الطفيلي ( انظر : نفس المصدر 6 ) .
ولا ريب في أنّ العصور الوسطى ، كانت شاهدة على براعة الهجاء عند مختلف الأمم في فرنسة وإنكلترة وإسبانية وألمانيا وإيطاليا في مسرحيات وقصص وقصائد يعيينا تحليلها في هذه الرسالة ، ولو قد فعلنا لظهر أنّ عناصر الهجاء وهي : العقل ، والشعور ، والعاطفة والخيال ، متقاربة عند الأمم المختلفة وإن جاء هذا الفن عندهم في القوالب المتعددة والصور المتنوّعة .
1 - 3 تطورالهجاء في الأدب العربي حتى العصر العباسي
نشأ الهجاء عند العرب كما نشأ عند غيرهم من الأمم تنديدا بالمعايب الشخصية أول الأمر ، ثمّ تطوّر عندهم كما تطوّر عند غيرهم ، وارتفع عن الأحقاد الخاصة إلى مشكلات الحياة العامة . وأصبح أداة صالحة لتصوير العواطف ونقلها قويّة مؤثرة ، كما كان شأن بقية