تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
في تاريخه وشعره ومباذله وعبثه ومجونه 5 ) . ويعدّ أبو نواس من روّاد المدرسة الكاريكاتورية والعبث بذوات الآخرين ، فأثر فيمن جاء بعده من كبار هذه المدرسة ، كما نلمس مثل هذا التأثير في هجاء ابن الرومي الذي استفاد كثيرا من تجربة أبي نواس في مجال التصوير الكاريكاتوري ، فطوّرها بامتلاكه معجما لغويا ، يشهد بثروة لغوية كبيرة وتمكّن في العربية ، أعانته على الغزارة في المعاني الكاريكاتورية ، والقدرة على رسم الصورة ، وكذلك في تنوّع قوافيه الهجائية ، على الرغم من صعوبة بعضها ، وقلّة مادتها اللغوية ، عندما يكون رويّها ثاء أو جيما أو زايا أو صادا أو ضادا ، وهي قواف يبتعد عنها معظم الشعراء . كما أكّد المازني هذا المعنى بقوله هذا : « وليس ابن الرومي من تعييه القافية أو تضطره إلى غير ما يريد أن يقول ، وإنّك لتقرأ شعره فيخيّل إليك أنّه يتناول الألفاظ ، ويقسرها قسرا على إعطاء المعاني التي يقصد تبنيها » ( 240 ) . فهو ذو قدرة على الجمع بين ثروة المعاني وسلاسة الألفاظ واختيار أصفى العبارات وأليقها بخياله ليعطي لجمال الذوق والخيال صدى صادقا ، وهو قادر على التناسق التام بين الصفات العينية والمعنوية لتمتّعه بنفسية تصدر من خياله وذوقه ، مما يؤهله للتعبير عن ما يريد بقوة الأسلوب وجماله . وإذا كان المستوى العام في لغة ابن الرومي الشعرية هو الاتّساع والإحكام والقوة إلا أنّ لغته بدت أحيانا بسيطة وسهلة بنيت بناء الرسائل ، وذكر ابن طباطبا ، أنّ هذا عيب يقع فيه الشاعر ويضعف شعره ، يقول : « فإنّ الشعر إذا تأسّس تأسيس فصول الرسائل القائمة بنفسها ، وكلمات الحكمة المستقلة بذواتها ، والأمثال الموسومة باختصارها لم يحسن نظمه » ( ابن طباطبا 126 - 127 ) . بينما يقول : ريفون جست : « ولغة ابن الرومي محكمة وألفاظه كثيرة ولكن أسلوبه عامة سهل ، وعربيته كثيرة الشبه بالعربية الأدبية في هذه الأيام ، ولذلك يستطيع المثقفون من الناطقين بالعربية الآن فهم قدر كبير من شعره دون مشقة كما يتضح من المقطتفات الكثيرة التي نشرها كامل الكيلاني والعقاد ، واللذان قلّما شعرا بحاجتهما إلى إضافة كلمة لشرحها للقارئ » ( 87 ) .