وقد يلجأ بشار في هجائه الساخر إلى ألفاظ نابية جارحة ، تكون تعبيرا واضحا عن نفسيته المليئة بالغيظ والكره ، ومن ذلك قوله في السخرية من باهلة :
يُفَاخِرُنَا وَنِعْمَتُنَا عَلَيْهِ * وَفِيمَ الْبَاهِلِيُّ مِنَ الْفَخَارِ
أقُولُ لَهُ وَلِي فَضْلٌ عَلَيْهِ * كَفَضْلِ القَسْوَرَيِّ عَلَى الوِبَارِ « 1 »
( 389 : 1 - 390 )
ومثل بشّار نرى أبانواس في سعيه إلى الخروج على قيم المجتمع وتقاليدة وفرض نمط اجتماعي جديد ، جاء بصور ساخرة تعريضا بالعرب وإلحاحه على سلب مظاهر التحضّر منهم ، وتحقير شأنهم ، فلذلك نلمس تشابهاً وتداخلا لغوياً لديهما وبخاصة في إعطاء البديل التعويضي . إلا أنّ قرينة الخمر التي تلازم أبانواس في أهاجيه الساخرة ، تعدّ عنصرا لغويا يسم أشعاره ، يُعرف بها ومنه قوله في الخمرة :
لا جَفَّ دَمْعُ الَّذِي يَبْكِي عَلَى حَجَرٍ * وَلا صَفَا قَلْبَ مَنْ يَصْبُو عَلَى وَتَدِ
كَمْ بَيْنَ نَاعِتِ خَمْرٍ فِي دَسَاكِرِهَا * وبَينَ باكٍ عَلَى نُؤْي وَمُنْتَضَدِ « 2 »
دَعْ ذَا ، عَدِمْتُكَ وَاشْرَبْهَا مُعَتَّقَةً * صَفْرَاءَ تَفْرُقُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ
( 55 )
ولعلّ الروح الإباحية التي اتّسما بها في عرض المفاهيم هي التي قادتهما إلى استخدام المفردات البعيدة من الذهن ، القريبة منهما في اختراق الحجب والأستار متى شاءا . غير أنّ أبانواس من خلال موهبته القويّة استطاع أن يصوّر روح العصر في التحرر من ربقة القديم واقترابه إلى لغة التخاطب من مستويات المجتمع بكافة فئاته ، حين أخذ ألطف الكلام وأنسبه وقعا ونظم شعره على قواف شتّى دون أن يجد صعوبة في النظم على القوافي النادرة . فعدّه ابن الرشيق أيسر الناس شعرا ، وما أحد إلا ويميل إلى عشرته ، ويحسده على قربه من النفوس لظرفه ولطفه ( انظر : القيرواني 133 : 2 ) . وقال فيه ابن خالويه : « لولا ما غلب عليه [ أبي نواس ] من الهزل ؛ لاستشهدت بكلامه في كتاب الله ، وذلك لأنّه تعلّم اللغة أساطينها ، ورحل من البادية فأخذ عن العرب ، وحفظ لغاتهم وأتقنها » ( ابن منظور ، ابونواس
هامش
( 1 ) - القسوري : الأسد . الوبار : جمع وبْر : دويبة تشبه الأرنب تجترّ كالأرانب .
( 2 ) - الدساكر ج الدسكرة : بيوت يكون فيها الشراب والملاهي . النؤي : الحفير حول الخيمة يمنع عنها السيل . منتضد : اسم مكان من انتضد بالمكان أي أقام .