تفتيقها ، والبحث في علاقاتها . فالشعراء الكاريكاتوريون وإن آثروا المستوى اللغوي البسيط في معظم أهاجيهم الساخرة إلا أنّ دواوينهم تحتوي على عدد من الصور الهجائية التي قد أثبتوا بها مدى امتلاكهم لعنان اللغة العربية ، وسعة علمهم بألفاظها وتراكيبها ، وقدرتهم على صياغة الأسلوب العربي المتين . فعلى سبيل المثال أنّ بشّاراً في هجائه الكاريكاتوري الاجتماعي الشعوبي ، قام بتصوير الجوانب المادية عند العرب ، وقد ساعدته مقدرته الشعرية ، واتّساع معجمه اللغوي ، على عرضها في صور مختلفة ، مع اختلاف في مفرداتها وترتيبها . وقد نجح في تحويل هذه الصور الجزئية إلى لوحات كاريكاتورية كبرى ، يصوّر فيها الجنس العربي ، وأسعفه على ذلك وعيه التاريخي بطبيعة حياة القبائل العربية ، واطلاعه على الموروث الثقافي عند العرب ، وبخاصة فن النقائض التي جعلها سلاحا من أسلحته .
ويلاحظ أنّ بشاراً أكثر في رسم هذه اللوحة الكاريكاتورية من المفردات التي تتصل بمظاهر الحياة البدوية بكل تفصيلاتها ، فأتى على لباس العربي ، وطعامه ، وبيته ، وحيواناته ، ونباتاته ، وقارنها بمثيلاتها عند الفرس ، ومنه قوله :
أعَاذلَ لا أنَامُ عَلَى اقْتِسَارِ * وَلا ألْقَى عَلَى مَوْلىً وَجَارِ « 1 »
أحِينَ لَبِسْتَ بَعْدَ العُريِ خَزاً * وَنَادَمْتَ الْكِرامَ عَلَى العُقارِ « 2 »
تُفاخِرُ يابنَ رَاعِيةٍ وَرَاعٍ * بَني الأحرارِ ، حَسبُك من خَسارِ
وكُنْتَ إذا ظَمِئْتَ إلى قَرَاحٍ * شَركْتَ الكَلْبَ فِي وَلْغِ الإطارِ
وتَقْضِمُ هامَةَ الجُعَلِ الْمُصَلَّى * ولا تُعنى بدُرّاج الدّيارِ « 3 »
وفَخرُكَ بَينَ يَرْبُوعٍ وضَبٍ * على مِثْلِي من الحَدَثِ الكِبَار « 4 »
مقامُكَ بَيْنَنَا دَنَسٌ عَلَيْنَا * فَلَيْتَكَ غَائِبٌ فِي حَرِّ نَارِ
( 313 : 2 - 316 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 10 )
هامش
( 1 ) - الاقتسار : القيام بعمل ما قسراً لا طوعا .
( 2 ) - العقار : معاقرة الخمرة وشربها .
( 3 ) - الجُعل : الخنفساء السوداء .
( 4 ) - يربوع وضب : هنا يقصد بهما وليس قبيلتين .