تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
يؤدّيها إلينا . من هنا فمن الأفضل أن نقول : إنّ الهجاء فن أدبي قديم يصوّر عاطفة الغضب أو الاحتقار والاستهزاء ، وهو تصوير للمثل العليا يصورها الهجّاء بطريق غير مباشر بالسخرية من نقيضها ، خلال سخطه وغضبه أو اشمئزازه واحتقاره ، لأنّ شيئا قد عارض هذه المثل ، وهذا الشيء قد يكون شخصا من الأشخاص أو نظاما من النظم أو فكرة من الأفكار . ومن المهم هنا أن لا يلتبس الهجاء بالأدب التهذيبي . فالأدب التهذيبي يقصد به الوعظ والإرشاد ، ويقدّم درساً في الأخلاق أو الدين أو الفلسفة ، في هدوء المعلّم أو الواعظ الذي يرنو إلى الإصلاح . أمّا الهجاء فهو شريعة القَصَاص من المجرمين الذين لا تنالهم يد القانون ( انظر : محمد حسين ، الهجاء والهجاؤون في الجاهلية 20 ) . إذ إنّ الهجَّاء يرى طائفة من المجرمين ، قد غلظت طبائعهم بما اقترفوا من الذنوب والآثام ، وبما ارتوت قلوبهم من الباطل والغرور ، حتى ما يؤثر فيهم الوعظ أو التحذير ، فعليه أن يرمي هؤلاء المجرمين بالعقوبة وينشر مخازيهم على الناس . ولعلنا نستطيع أن نشبه العلاقة بين الأدب التهذيبي والأدب الهجائي بالصلة بين المدرسة التي تقدم درسا في الفضيلة والمحكمة التي تطلب نزول العقاب على الرذيلة .

1 - 2 نشأة الهجاء وتطوره في الآداب العالمية .

تولّد الهجاء نظرا لطبيعة الإنسان ، فهو بناءً على فطرته ينظر إلى الناس أول الأمر على أنهم مكتملو الأخلاق حتى إذا ما واجه نقيض ذلك واصطدم بضده ، سنّ سلاح اللسان إما ناصحا من أجل النصيحة أو هاجيا ليشفى غليله منهم ، خاصة عندما تتوفر له المواقف المناسبة لذلك . من المحتمل أن يكون الباحثون قد عمدوا إلى دراسة الهجاء وشعرائه على اختلاف العصور والأمم ، وأن يكونوا قد اهتمّوا بجمع قصائده منذ فجر الكتابة ، ولكننا لا نجد كتابا يستوعب هذه القصائد الهجائية ويعرض إلى هذا الفن ، حتى تكون السبيل واضحة لدراسة نشأة الهجاء وتطوّره في الحضارات القديمة ، لذلك أصبح من الصعب علينا أن نحكم على