تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
اللغة العربية لما تزخر به من الألفاظ الرصينة والعبارات الجميلة ، حيث تمكّن الشاعر من أن يختار من مفرداتها ما يشاء ، ويستخدمه بالطريقة التي يريد ليعبر عن أدق المعاني وأصدق المشاعر بالمبالغة التي تناسب التضخيم في الصور الكاريكاتورية الساخرة ، كما يجد الشاعر هذه الإمكانية أن يتصرّف في بناء عباراته وترصيفها بالشكل الذي يراه مناسبا بتقديم الألفاظ وتأخيرها واستبدال كلمة بكلمة أخرى أحيانا ، ساعيا من وراء ذلك إلى إكساب كلامه طاقة فنية غنية بالمشاعر والدلالات التشكيلية ، قادرة على التأثير في وجدان القارئ وتجسيد الصورة الكاريكاتورية في ذهنه . فلا شكّ أنّ الشعراء متفاوتون في اختيار الألفاظ واستيفاء المعاني ومجاراة الواقع أو الابتعاد عنه ، لكنهم يجتمعون في رؤيتهم للكلمة المجردة ، إذ يرون فيها قصورا وعجزا لا ينهض بالفن ، ولا يرقى به ؛ لأنّ الشعر بعامة والهجاء الكاريكاتوري بخاصة لا ينقل دلالات مباشرة ، بل هو عالم متموّج كثيف بشفافيته ، لذلك يعبرون عن أغراضهم بالرؤيا ، والإشارة والرمز ، والإيحاء ، والمجاز ، فيتحول الشاعر إلى راء يجسّد ظاهرة جمالية لعمق فكري خلقي ، هو منطلق الشاعر باعتباره إنسانا اجتماعيا مفكرا ( عاصي 77 ) .

7 - 3 خصائص الأسلوبية الفنية في الهجاء الكاريكاتوري

يعد الهجاء الكاريكاتوري حقلا خصبا لدراسة أسلوبية ناجعة ، حيث اعتمد شعراؤه على طرق جديدة في التعبير ، وتفتقت موهباتهم من أكمام اللغة والبلاغة ، فقد حققوا مستوى رفيعا من التطور والتجديد من حيث ابتكار الأشكال التعبيرية ، فلم يألوا جهدا في استثمار كل ما يخدم أسلوبهم الشعري ، من الأنساق الفنية والتقنيات الخلاقة في الفن التشكيلي الكاريكاتوري وعلم النفس وغيرها . فإنّ اعتمادهم على قاعدة التصوير الكاريكاتوري للتخلص من المألوف ومجاوزة الأنماط السائدة في التعبير الذي تعوّدها بقية الشعراء ، يقوم على رؤية إبداعية في التفكير بكل جديد . وتقدم لنا المعطيات الأسلوبية في شعرهم عامة وفي أهاجيهم الكاريكاتورية خاصة ، مجموعة من القيم والخواص الشعرية التي شكلت علامة فارقة ، نستطلع من خلالها ملامح