تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
أمّا ابن الرومي فهو أيضا قد تأثر في هجائه الكاريكاتوري بحالاته النفسية واتخذ منها أسلوبا للتعبير في متابعة عيوب الناس . كما أنّ اطلاعه على الشعر العربي ساعده على التجديد في شعره وأساليبه وبنائه ، وربّما كان ذلك سببا في نظمه الشعر في سن مبكرة ( أنظر : زغلول سلام 316 ) ، وبراعته في التصوير وقدرته على الرسم الكاريكاتوري في الهجاء ، غير أنّ البعض يعتقد في شعره سيطرة أسلوب النثر على الشعر ، ويقول : إنّه في جميع قصائده « لم يتخلّ عن الملاحظات والاعترافات التي تنحدر بالشعر إلى تقريرية النثر » ( حاوي 506 ) ، ولعلّ ذلك يعود إلى عاملين هامين : قوة تأثير الجاحظ في عصره ومن قبله ابن المقفع . روح العصر الذي بلغ شأنا عظيما في مجال العلم وطرق الفكر . وبالنظر إلى اللوحات الهجائية الكاريكاتورية في ديوان ابن الرومي ، - كتلك اللوحة التي رسمها لأنف عمرو النصراني ( انظر : ابن الرومي 302 : 3 - 303 ) - نلاحظ أنّ ميزة التوضيح والتفصيل والتكرار والتراجع تبرز في كثير منها ، وقد أشار إلى هذه الميزة الأسلوبية عنده كثير من نقاد الأدب ، منهم ابن رشيق في قوله هذا : « كان ابن الرومي ضنينا بالمعاني ، حريصا عليها ، يأخذ المعنى الواحد ويولده ، فلا يزال يقلبه ظهرا لبطن ، ويصرفه في كل وجه إلى كل ناحية حتى يميته » ( القيرواني 970 : 2 - 971 ) . والدارس في هجاء ابن الرومي يرى أنّ هجائه الكاريكاتوري يتميز بسمة بارزة في كثير من لوحاته الساخرة ، وهي التصاعد في المعاني وتدرّجها في إظهار العيوب والانتقال من العام إلى الخاص . ومن أمثلة ذلك قوله :
إنْ تَطُلْ لِحْيَة عَلَيْكَ وَتعْرُضُ * فَالْمَخَالِي مَعْرُوفَة لِلْحَمِيرِ
( 32 : 3 ) فالشاعر يشبّه اللحية بالمخلاة عامة ، ثم ينتقل إلى التفصيل بذكر فيضانها وسيلانها في كل اتجاه ، ويقول :
لِحْيَةٌ أهْمِلَتْ فَسَالَتْ وَفَاضَتْ * فَإلَيْهَا تُشِيرُ كَفُّ الْمُشِيرِ
( 32 : 3 ) وبعد ذلك يتصاعد المعنى حتى يصل أحيانا إلى المستحيل ، يقول :
رَوْعَةٌ تَسْتَخِفُّهُ لم يُرَعْهَا * مَنْ رَأى وَجْهَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرِ
( 33 : 3 )
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 334 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي