أمّا أبو نواس فتجاوز في هجائه الكاريكاتوري الموضوعات السياسية ، ووصل إلى اليأس والشك في الإنسان بصفة عامة ، وربّما في النُظم التي تسير العالم وتتحكم فيه ، ولعلّ ذلك ناجم عن حس الغربة وخيبة الأمل اللذين يشكلان خطا عاما لكل ما قاله . فقد استوطنت الغربة قلبه وروحه ، فارتدّ إلى نفسه يبحث عمّا فقده في مجتمعه من صدق وعفوية ( أنظر : الزعيم 7 ) . وعلى هذا جاء هجاؤه الكاريكاتوري بسخريته اللاذعة معبرا عن شخصيته وما يدور فيها . وهذا يؤكد أنّ الفن في جوهره فعل تعويض عن انعدام التوازن بين نفسية الإنسان وما يرى في الوجود ( أنظر : عساف 9 ) ، لأنّ الفن حضور جمالي مرتبط جدليا بحركة الواقع الحياتي ، وبوعي الإنسان وانفعالاته ( انظر : فيشر 7 ) .
ونلمس في هجاء أبي نواس الكاريكاتوري نبرة قوية تتحقّق الحيوية والحركة في أسلوبه ، وترتفع بالمستوى الفني للشاعر كما يزيد قوة الجذب والتأثير في عباراته . فأغلبية الصور الكاريكاتورية في هجائه تتسّم بالحركة الناتجة عن تفاعل الشاعر مع ذاته وبيئته ، كأنها دعوة غير صريحة أو غير مقصودة للخروج على التقاليد المرسومة في عصره ، ومثل هذه الدعوة قد تمثلت في كثرة استخدامه للألفاظ الفارسية في شعره ( انظر : الضيف ، الفن ومذاهبه في الشعر العربي 251 ) . ونظراً لقصر مقطوعاته الهجائية استطاع الشاعر أن يحقق لها وحدة موضوعية تتمثل في لوحة كاريكاتورية منسجمة بتماسك الأجزاء ، حيث راحت كلها في معالجة موقف واحد ، سيطرت على الشاعر في عرضه تلك الروح القصصية التي اتسم بها فنه ، وزادت من ترابط أجزاء اللوحة وتماسكها ، وقد ساعده استخدام الصيغ الحوارية على تحقيق مزيد من هذا الترابط بشكل ملحوظ . كما نلاحظ أنّ أبانواس استمدّ كثيرا من هذه الصور من معطيات عصره ، « وأكثر من الانتقاء من واقعه الاجتماعي ، فأخذ منه ، وأضفى من ذاته ورؤيته الخاصة عليه ، حتى استطاع أن يضخم صورته ، وصورة عصابته » ( التطاوي 114 ) . فكشف لنا بهذه الصور الهجائية دلالات اجتماعية متأثرا بعصره ، عكست صدى الاحتكاك الحضاري في ذاك العهد وصراعات العصر بين الحفاظ على القيمة وبين الإصرار على الخروج عليها وتدميرها .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 333
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٣٣٣