تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
ونلمس في هجائه الساخر إفادة الشاعر من العلوم في رسم الصور الساخرة ، حتى غدا المبدأ العلمي وسيلة تبريرية لغرضه النفسي المتمثل في نقمته على مهجويه . ومثل هذه الميزة رأيناها في هجائه الاجتماعي لأولئك الذين يسمو برذائلهم ، بينما يقعي أصحاب الحق والكفاءة في القعر « ولقد توسّل في وصفه لرجحان أولئك ، ورسو هؤلاء ، بناموس الجاذبية ، فكأنّه يعلل الظاهرة أو يقررها تقريراً علمياً . فخفّتهم هي التي تسبب في علوّهم وطيرانهم ، لأنّ الأشياء تعلو بقدر ما تخف » ( حاوي 515 ) . فلا شكّ أنّ كل هذه الميزات الأسلوبية في هجاء ابن الرومي الكاريكاتوري ، قد تكوّنت نتيجة امتزاج طبيعة الشاعر وشعوره وتفكيره بمستجدات عصره ، حتى تتجلّى أثر الشاعر في مجرى تطور الشعر العربي في مظهرين : أ - أسلوبه السهل الممتنع النظم ، المتمثل في النثرية التي تجنح به أحيانا إلى الركة . ب - عنايته بالصورة ، يعرضها جانبية ، مقابلة ، تامة أو تخيلية . وهو في المظهرين متأثر بطريقة الشارحين والمفسرين من علماء المنطق والكلام واللغة ( أنظر : شلق 125 ) . أمّا المتنبي فإنّ أسلوبه في صوره الهجائية الساخرة جاء ليعبّر عن انفعاله بالمواقف ويمثله . وتأتي صوره لتكون متنفسا لتلك الرغبات التي كان الشاعر يرنو إليها وتمثيلا لذاك الشعور الذي يحسه ، وتلبية لتلك المتطلبات التي كان طموحا إليها ويسعى إلى تحقيقها والوصول إليها ، فهذه الصور تعبّر عمّا يختلج في نفس الشاعر من علو الهمة وكبر النفس ، وعما يجول في عمقها وداخلها في دقة بارعة وتحليل كاشف . فهذه الصور القائمة على العناصر المحسوسة تعكس قدرة الشاعر التخييلية وقدرته التصويرية التي تضم عناصر لوحاته لتكوّن منها صورة مركبة ساخرة ، « وهذا أمر مرتبط تماما بظرف الشاعر الذي كثر تجواله ، وترحاله ووقوع عينه على مشاهد شتى فضلا عن عدسته المصورة وطاقته الشعرية المتمكنة » ( الوصيف 274 ) . وفي دراسة تأثّر الشاعر الكاريكاتوري في أسلوبه بحالاته النفسية لابّد أن لا ننسى قدرة