تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢

7 - 2 - الصلة بين نفسية الشاعر الكاريكاتوري وأسلوبه

إنّ لكل فنان حالاته التي تأتيه لعوامل خفية وبينة ، حسية ومعنوية ، وهذه الحالات تفرض عليه اتباع طريقة بعينها ليصل إلى غرضه ، ومعنى هذا « أنّ الأسلوب في الأدب ليس مجرد طريقة للكتابة بل يرتبط عند كل كاتب بالإلهام الخاص الذي يدعو إلى الكتابة فيصبح متصلا بالتفكير والشعور » ( عز الدين 28 ) . والأسلوب في اللغة الشعرية « ملتصق تماما بطبيعة الشاعر وروحه ، والعلاقات التي يقيمها بين مفردات اللغة ، تعكس صورة العلاقات في العالم الذي أوجده » ( انظر : أدونيس ، زمن الشعر 235 ) ، وهذه العلاقة بين دلالة الألفاظ وخلجات الشاعر وانفعالاته تؤكد دور الشاعر الفنان في نفخ الروح في الألفاظ بمستويات الصورة وظلالها التي تحددها معانيه . وهذا ما نراه جليا في الصلة بين طبيعة شعراء الهجاء في العصر العباسي واتخاذ أسلوبهم الكاريكاتوري ونفخ الروح الساخرة بين ألفاظ هجائهم ومعانيها . فبشار بن برد مثلا قد مرّ بثلاث محن كان لها تأثير قوي في نفسيته ، ومزاجه وسلوكه وحياته . وهذه المحن هي : الرق والفقر والعمى ( انظر : العشماوي ، موقف الشعر من الفن والحياة 106 ) . لكن هذه المحن لم تقعد الشاعر عن استخدام قدراته التي أعاضه الله من هذه الأمور ، بل ساقته إلى فتح باب جديد في الهجاء ولجه بقوة ومضى في استكشاف ما وراءه ، وسعى لتطويعه لغرض كاريكاتوري ينسجم مع أذواق الناس في عصره . فاتخذ الأسلوب الكاريكاتوري في هجائه صدى لشخصيته ونفسيته وصوتا لثورته على الناس وضيقه ، وبيانا لرفضه التقاليد والعقائد والسلطة . فإنّ أسباب السخرية وبواعث الهجاء جعلت من السخرية والهجاء وسيلة ناجعة له في تحقيق وجوده والدفاع عن نفسه ، ووسيلة لاستشعار قوته . ولعل اللوحة الساخرة التي قد رسمها لصرخته على العرب دليل على قولنا هذا ، حيث يبدأ لوحته بهذا القول :
هَلْ مِنْ رَسُولٍ مُخْبِرٍ * عَنِّي جَمِيعَ الْعَرَبِ
( 389 : 1 - 390 )