أهجى ، كما يجعل له فروعا تتفرّع منه ، ومنها : الذمّ ، والعتب ، والاستبطاء والتأنيب ( انظر : قدامة بن جعفر 30 ) . فبناء على رأيه هذا لعله من الأفضل أن نقول : إنّ الهجاء وجه آخر سلبي للمدح ، حيث إنّ المديح يقوم على عاطفة الإعجاب والتقدير ويدلّ على المحبة والاحترام للممدوح ، والهجاء يقوم على سلب مآثر المهجو ويدلّ على بغضه وازدرائه .
والرأي المشهور عند نقاد العرب حتى في عصرنا الراهن أنّ الهجاء لا يكون إلا شعرا . كما جاء في المعجم المفصل : « الهجاء فن شعري قديم يقوم علي تقبيح صورة فرد ، أو جماعة ، أو عادة من العادات ، أو مظهر من مظاهر الحياة والوجود ، وهو تعبير عن احتقار الشاعر للمهجو والرغبة في الحط من شأنه والهزء به ومسخه ما أمكن إلى ذلك سبيلا » ( بديع يعقوب ، ميشال عاصي 1281 : 2 ) ، بينما أنّ الهجاء لا يقتصر على الشعر فقط ، بل يشمل النثر أيضا ، إذ إنّ صاحب العقد الفريد يعتبر بعض الآيات في القرآن هجاء ، فيقول : « قال الله تبارك وتعالى في هجو المشركين :
( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ )
» ( ابن عبد ربه 145 : 6 ) ، والجاحظ قد سمّى بعض رسائله النثرية هجاء ، وقال في مقدمة كتاب الحيوان : « وعبتني بكتاب الأوفاق والرياضيات . . . وبكل ما كتبت إلى إخواني وخلطائي من مزح وجد ، ومن إفصاح وتعريض ، ومن تغافل وتوفيق ، ومن هجاء لا يزال ميسمه باقياً ، ومديح لا يزال نامياً . . . الخ » ( 14 : 1 - 15 ) ، أمّا النويري في نهاية الأرب فقد ذكر نماذج من النثر في باب الهجاء ، فيقول : « وإنّ للشعراء والبلغاء في الذم والهجاء نظما ونثرا سنورد منها طرفا » ( 268 : 3 ) ، كما ذُكرت في كتب الأدب الكثير من الأهاجي في النثر ، منها ما قال أعرابي في هجاء قوم : « أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم ، وأكثرهم جرما إلى أصدقائهم ، يصومون عن المعروف ، ويفطرون على الفحشاء » ( جلون 49 ) .
وانطلاقا من هذه الأمثلة ، نستطيع أن نقول إنّ السبيل الوحيد للهجاء ليس الشعر فحسب ، بل هو شامل للشعر والنثر ، كما نلمس فيه قوّة بنائية إلى جانب ذاك المظهر الهدّام الذي هو أوّل ما يظهر فيه ؛ إذ إنّ الهجّاء حين يهاجم شخصا أو نزعة أو نظاما ، ويندّد بعيوبه ، يهدف في الحقيقة إلى تلك المثل العليا التي يطمح إليها ، فكأنّ له فلسفة في الحياة يريد أن