العتَمه ، وضرب ظهر قدمه بعكاز لها زج مسموم ، فمات من غد ودفن في تلك القرية ( انظر : دعبل 30 ) . وهكذا وجد الشاعر الحامل خشبته من يصلبه عليها ، ولكن بعد أن قدّم نموذجا فريدا للشاعر الملتزم يتمثل في سيرته وفي شعره الذي جسّد هذا الالتزام ونطق برؤية واضحة جريئة لقضايا مجتمعه السياسية والاجتماعية .
وكذلك ابن الرومي فما ذكر عن نهاية مصيره يشير إلى ما آل إليه التزامه الشعري الذي جعل على عاتقه تعرية منظومة قيم الشرّ التي استخدمها رجال الحكومة . فالمعروف « أنّ الوزير أبا الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير الإمام المعتضد كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش ، فدسّ إليه ابن فراس ، فأطعمه خشكنانجة مسمومة وهو في مجلسه ، فلمّا أكلها أحسّ بالسمّ ، فقال له الوزير : إلى أين تذهب ؟ فقال : إلى الموضع الذي بعثتني إليه ، فقال له : سلّم على والدي ، فقال : ما طريقي على النار » ( ابن خلكان 361 : 1 ) فلمّا دبّ فيه السمّ واشتدّ شربه الماء قال :
أشْرِبُ الْمَاءَ إذَا مَا الْتَهَبَتْ * نَارُ أحْشَائِي لإطْفَاءِ اللَّهَبْ
فَأرَاهُ زَائِداً فِي حُرْقَتِي * فَكَأنَّ الْمَاءَ لِلنَّارِ حَطَبْ
( 407 : 1 )
أما المتنبي فقد غرق شعره في التزامه السياسي والاجتماعي حتى قتله ، ورغم أنّ كل المصادر تجمع على أنّ بني ضبة هم قتلة المتنبي ، وأنّ بيتا من شعره قتله ، إلا أنني أعتقد بأنّه قد قتله شعره كله ، وصاده اغتيال سياسي لأسباب أضخم من حقد بني ضبة ، لعلّ مرجعه هو التزامه بمواقفه السياسية والاجتماعية ذاتها في شعره . فسر خلود أبي الطيب ، أنه وازن بعبقريته الشعرية والفكرية بين اهتمامه بالذات واهتمامه بالمجتمع ، ففي شعره مزيج عبقري من انعتاق الحكمة المطلقة ، من إسار السياسة المغلقة ، وشعور في أعماق ضمير الشاعر بالتزام حقيقي يحوّل القول فعلا .
6 - 11 الالتزام في الكاريكاتور والالتزام العملي لدى الكاريكاتوريين
أما الكاريكاتور أيضا قديمه وحديثه ، فلم يكن بمعزل عن الالتزام الذي نراه في الفنون ، ولم يكن منفصلا عن ثقافة المجتمعات الإنسانية ، فهو معبر عن قضايا الناس وهمومهم
و