تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
المحترفين ، بل اختار أن يكون شعره مجسدا لموقفه وأن يكون أجسر الناس وأقدمهم في ذلك . فكلّفه هذا الخيار أن يعيش دهره كله طريد السلطان ، وكان يستمد في تشرده المرير ، قوة من ذلك الإيمان الذي كوّن شخصيته المتمسكة بمبادئها وهذا على الرغم من الأخطار التي كانت تهددها . يقول صاحب الأغاني : « ولم يزل مرهوب اللسان وخائفا من هجائه للخلفاء ، فهو دهره كله هارب متوار . . . » ( الأصفهاني 131 : 20 ) . وقال له إبراهيم بن المدبر : « أنت أجسر الناس عندي وأقدمهم ، حين تقول : ( إني من القوم . . . ) فقال : ( يا أبا إسحق ، أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة فلا أجد من يصلبني عليها » ( نفس المصدر 144 : 20 ) . فالتزم دعبل عقيدته الشيعية وآثر في سبيل هذا الالتزام التشرد ومواجهة الموت على جوائز الخلفاء ورواتبهم السنية ، وأعلن موقفا سياسيا معارضا ، فهذا يعني أنه شاعر ملتزم بولائه وأن المال لا يؤثر في هذا الالتزام ولا يقلله . وكان الخلفاء قبل المعتصم يريدون أن يظفروا بدعبل ، غير أن موقعه في نظام العلاقات السياسي القبلي السائد آنذاك ، كان يحول دون ذلك . فهو شاعر اليمن ، واليمن ، وبخاصة خزاعة قبيلة الشاعر كانت القوة الأساسية في إقامة الدولة العباسية ، وكان دعبل كما يقول الرواة : « في البيت الرفيع من خزاعة » ( نفس المصدر 174 : 20 ) ، أو في قول آخر لابن الكلبي : « دعبل والله ، يا أخي خزاعة كلها » ( نفس المصدر 174 : 20 ) . ويبدو بعد ما توّلى المعتصم الخلافة تغيرت الأمور ، فصار معظم الجند ومعظم قادتهم من غير العرب ، فاغتنم الفرصة والي الكوفة في زمن المتوكل ، إسحق بن العباس بن علي العباسي ، بالتعاون مع مالك بن طوق التغلبي الذي هجاه دعبل ، وامسك بدعبل بعد أن تجاوز التسعين من عمره ، وأراد قتله ، ثم عدل عن ذلك ، واكتفى بتعذيبه واهانته ، وأطلق سراحه ليرسل مالك بن طوق « 1 » رجلا ويعطيه سماً ويأمره أن يغتاله كيف شاء ، ويعطيه على ذلك عشرة آلاف درهم ، فلم يزل يتعقبه حتى وجده في قرية من نواحي السُّوس ، فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة
هامش
( 1 ) - هو مالك بن طوق بن عتاب التغلبي ، أمير ، كان من الأشراف الفرسان الأجواد . ولي إمرة دمشق للمتوكل العباسي ، كان فصيحا وله شعر . توفي سنة 259 ه - / 873 م . ( الأعلام 262 : 5 )