شجاعا حازما في الدفاع عن آرائه في اشعاره ولا سيما في هجائه الكاريكاتوري ، من نماذج هجائه ما قال في هجاء يعقوب بن داوود قيل هو الباعث على قتله بيد المهدي ، ولعلّ نفس هذه الأبيات هي السبب في قتله . فيقول :
لا يَأيسَنَّ فَقِيرٌ مِن غِنًى أبَداً * بَعْدَ الَّذِي نَالَ يَعْقُوبُ بْنُ داوُدِ
يَا أيُّهَا النَّاسُ قَدْ ضَاعَتْ خِلافَتُكُمْ * إنَّ الخَلِيفَةَ يَعْقُوبُ بنُ دَاودِ
ضَاعَتْ خِلافَتُكُمْ يَا قَوْمُ فَالْتَمِسُوا * خَليفَةَ اللهِ بَيْنَ الزِّقِّ وَالعُودِ « 1 »
( 155 : 2 )
فبشار في هجائه الكاريكاتوري شاعر ملتزم عصيّ عن الترويض وخارج على طاعة الجور ، وثابت في حضوره الفكري والعملي في قضايا عصره ، فكان له قوّة الفعل والتأثير بكل شيء ، وضاق بقوّة تأثيره وحضوره الحانقون الذين لا يتعاملون إلا مع سطوح الأشياء وظواهرها ، ولا يتعاملون مع جوهرها ، فنصبوا له المكائد ، وناصبوه العداء حتّى تحقق لهم النفاذ إلى قلب الخليفة المهدي ونفثوا سم الحقد والكراهية على هذه الشخصية المنفتحة الذهن على الحياة الجديدة بكل أشكالها ومضامينها ، فيعلن الخليفة حكمه اللاإنساني التعسفي على هذه العبقرية التي أبت بشهادة الزور على عصرها ، فاختارت طريقها بنفسها كما تشاء ، ودفعت ضريبة اختيارها ، حياة صاحبها . وربما لهذا السبب أنصف النويهي بشاراً عندما أطلق على ميتته هذه صفة الشهادة ، حيث قال : « بشار هو الشهيد الأول في تاريخ الفكر الإسلامي ، فليفكر القارئ على هذا الحكم مليا » ( 149 ) . إذ ليس الاستشهاد ، وقفا على الذين يبذلون مهجهم في سبيل مجتمعهم ، بل في سبيل انتصار أفكارهم والاصرار على مواقفهم ، « فالشهيد هو الذي يقتل لتمسكه برأي يظنه الصواب ، أو لإصراره على رفض رأي لم يقتنع بصحته ، فلسنا نعني من هذه التسمية معناها الديني وقد سبقه إلى الاستشهاد الديني كثيرون - وإنما نقصد معناها الفكري » ( نفس المصدر 146 ) .
وكذلك دعبل وإن توفرت الفرصة له ليكون شاعر البلاط ، ولينال المال والمكانة ، غير أنّه لم يغتنم هذه الفرصة ، فلم يمدح الخلفاء والعمال العباسيين كغيرهم من الشعراء
هامش
( 1 ) - الزق : هو وعاء الخمر . العود : آلة الطرب .