من الصورة الهجائية الكاريكاتورية ، فليست كالمقالات الاجتماعية والخطابات السياسية التي تعطينا تحليلا واحدا موافقا لوجهة نظر الكاتب أو الخطيب ، دون أن تتوفر لنا المشاركة في هذا النقد الذي يحتمل الصحة والخطأ ، أو الحق والباطل وما إلى ذلك .
فهكذا نجد أنّ دواوين الشعراء في العصر العباسي وخاصة أهاجيهم الكاريكاتورية لا تخلو من المواقف التي تثبت فعالية الكلمة وتكشف موقف الشاعر الذي يبرهن عن إحساسه وتفاعله مع مجتمعه . ففي رأيهم أنّ الأدب ولا سيما الاجتماعي والسياسي منه ، لابدّ أن يكون هادفا إلى غاية محددة يدعو إليها الشاعر ويتمثلها في قيم إنسانية نابعة من حريته ووعيه . فانطلقوا بدافع المسؤولية والإيمان بالحرية والهدف دون أن يصبحوا صدى للدولة العباسية أو لأشخاص معينين . فكأنهم كانوا قد علموا بأنّ كلماتهم إذا أرادت أن تأخذ طريقها مباشرة إلى فكر القارئ ووجدانه فلا بدّ أن تخرج نابضة عن الواقع الذي يعاني منه الشعب وتعبر عن الظروف التي تحيط به . فعليها أن تعبّر عن آلامه وآماله ونضاله .
6 - 10 الالتزام العملي لأصحاب الهجاء الكاريكاتوري
كما أسلفنا أنّ الشعراء الكاريكاتوريين اتخذوا من الصور الكاريكاتورية وسيلة للدفاع عن القضايا الحياتية ، والانسانية وبيان العدالة وقيمتها في مجتمعاتهم ، غير عابئين بالتهديدات التي قد تطالهم أو بالأثمان التي ثمرة تكبّدها سيكون عليهم ، وفقا لتعريف الكاريكاتور عند « سوزي ليفي » « 1 » حيث عرّفته : « الكاريكاتور هو فن من الرسوم الهجومية لإحدى الطاقات المتطرفة وهو أيضا منشور سياسي ، اجتماعي ، نفساني ، يستعين بالكلمات في شكل عناوين أو شروحات مدرجة في الرسم » ( 59 ) .
فإذا تأملنا في حياة الشعراء الكاريكاتوريين نجد أنّ مهمتهم في كثير من الأحيان غير محصورة في تصوير الأوضاع الاجتماعية والسياسية قولا فحسب ، بل ربطوا القول بالعمل وضحّوا بأنفسهم ودخلوا السجن . فمثلا إنّ بشاربن برد تقتله السياسة في اخلاصه لرؤيته الخاصة ، حيث أعلن موقفه السياسيّ ولم يكن من رجال التقيّة ولا من دعاتها ، بل كان
هامش
( 1 ) -Suzy Levy