وإذا كان هذا الالتزام هو موقف الشعراء العباسيين الكاريكاتوريين في أهاجيهم ، من انحياز انساني واجتماعي وسياسي إلى قضايا مجتمعهم ، فلابد أن لا نستنتج أنّ هذا المسار من الالتزام هو اللون الغالب لأدب هذا العصر ، إذ إنّه لابدّ في مساره هذا أن يعترضه مسار آخر ، وبلون آخر هو « أدب الطلب » الذي ظهر في ظل بذخ الخلافة العربية الأموية والعباسية . وقد كان مسار هذا الأدب مثار إعجاب من قبل النظم الفاسدة ، لأنّه يقوم بدور التضليل والتجهيل للأمة وصرفها عن المطالبة بحقوقها الشرعية ، ودور التبرير لظلم تلك النظم بوسائط فقهية وشرعية واجتهادية ، تكافح حقوق الشعب المظلوم . فقام شعراؤه بملئ أشعارهم فتاوي تعني قبول الظلم في كل الأحوال ، وتعطيل دور العقل وتحوير النصوص ، بل وتحريفها عن مقاصدها التي شرعها الله ورسوله ( ص ) ، وتحسين صور الظلم الكالحة للمظلومين ودعاية محاسن رجال الدولة العباسية واتخاذ منحى سياسيا أدبيا ليرضي الخلافة .
وإن كان أدب الطلب ، أو ما نعرفه في هذا العصر بأدب التكسب ، هو نوع من أنواع الأدب شعرا ونثرا ، يتسم أحيانا بالمهارة الفنية ويحوي في بعض نتاجاته أقصى فنون البلاغة والمبالغة في المديح ، ولكننا لا يمكن أن نتغافل عن غاياته النفعية التي تحيل الباطل حقاً والحقيقة وهماً ، وتضرب في طرق التضليل والتجهيل وتتمثّل في خلوه عن المبادئ الإنسانية والمثل الأخلاقية والقيم الاجتماعية التي تستوجب الحفاظ عليها وينبغي الدفاع عنها ، كالعدالة الاجتماعية والمساواة الانسانية التي تتخذ موقفا مناهضا للمضامين النبيلة . فهذا اللون من الأدب لا يتخذ حتى موقفا حياديا ايجابيا من قضايا الصراع بين الحق والباطل والظلم والعدالة ، بل يدافع أحيانا عن الجوانب السلبية في المجتمع . وذلك لأنّ غايته ليست سوى إبراز مهارة إبداعية فائقة تفيد التكسب ، بينما نجد أنّ فكرة توظيف الهجاء الكاريكاتوري عند الشعراء العباسيين ، قد كانت طريقة من الطرق التي تظهر التزام الشاعر وموقفه الخاص في قضية ما من القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الإنسانية ، كما أنّ وجه الإبداع فيها أنها صورة ، والصورة الساخرة في الهجاء في كثير من الأحيان تكون أبلغ من التعبير المباشر ، إضافة إلى هذا ، إنّها تشارك المتلقي في النقد والتفسير وفقا لتعدد وجهات النظر التي تستنبط
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 318
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٣١٨