تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
الفرد لا يستطيع أن يحقق إلا القليل ، مهما يعظم هذا القليل ، وإنّما يريدون أن يشمل أبناء الأمة جميعاً ، ليكونوا ساخطين على الأوضاع سخط الشاعر ومتمردين تمرّده ، ومنضمين إلى حركته ، حاملين في نفوسهم من الضغينة والحقد على مهجويه ما يجعلهم يتحرقون غيظا كما يتحرق .

6 - 9 الالتزام في الهجاء الكاريكاتوري وأدب الطلب

لقد برهن الشعراء الكاريكاتوريون في العصر العباسي على مدى تأثير هذا اللون من الهجاء . فاعتبروه لغة موقف ، والموقف في رأيهم هو متابعة للحدث الآني ، أو بيان رؤية التأثير الفعلي للحدث . وكما أسلفنا أنّ لوحاتهم الهجائية تخاطب أبناء مجتمعهم بشكل غير مباشر ، فتنقل لنا الحدث وتبعاته ، عبر رسومهم الساخرة بلغة واضحة ، لها تأثيرها في السلوك العام . فكأنهم قد علموا بأن الناس قد يجتمعون حول مفهوم معين ، قد لا يكون واضحا لهم ، أو قد لا يكون في مدى رؤيتهم له ، فتأتي لوحاتهم لتذكرهم به ، أو لتنبههم إلى شيء بعيد عن مدركاتهم . وطرحوها كلغة الحوار مع الآخر من أجل التثقيف الحقيقي ، وهي كانت إحدى مهام هؤلاء الشعراء في نظرتهم . هذا بشكل عام ، ولكن عندما كانوا يرون أنّ عدم التوازن يختص بقضية غامضة ، لابدّ من التذكير بها ، فمهمة هجائهم الكاريكاتوري هنا هي التنبيه إلى القضية من خلال حدث ، وبالتالي بيان الرأي حول ما يجب أن يكون . فتأتي لوحتهم الهجائية الكاريكاتورية ملخصة للقضية ، تغني عن مقال بعدة صفحات ، مترجمة لها بلغة مقروءة للجميع ، وتعيد للذاكرة قوة الفعل الحقيقي للقضية ، أو تعيد صياغة المفهوم حولها . فاللغة البصرية الرمزية التي يخلقها الهجاء الكاريكاتوري يكون لها تأثير مباشر وإيجابي أكثر من أي كلام قد يدعونا إلى قراءة محتوياته . فهذا التوظيف الملتزم في الهجاء الكاريكاتوري مطابق لما يعتقد به بعض النقاد بأنه على الكاتب أو الشاعر أن يتخذ موقفا من الأحداث التي تحيط به وأن يلتزم بأدبه لكن دون أن يحول الأدب من خطاب جمالي إلى خطاب سياسي ، ولعل قول ابن خلدون : إن الشعر ديوان العرب بشرط أن ندونه بطريقة جمالية ( انظر : 461 ) ، إشارة لطيفة إلى هذا الأمر .