تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
ومظهر من مظاهر الالتزام في شعره . حيث إنّ الملوك كانوا يمثلون واقع السلطة ، كما أنّهم يمثلون واقع الشعب الذي يتحكمون فيه . فإذا استبد الملوك وأفسدوا الحكم كان شعبهم أذلاء خانعين غير جديرين بالحياة . والمتنبي كان يعيش إلى جانب هذه المأساة السياسية التي يعانيها مجتمعه ، ويعرف أنّ شعره أعظم وسائل التعبير في عصره ويتحقق عن طريقها كشف ما في السياسة من الضعف والمشكلات ، فلذلك نجد أنّ هجائه الكاريكاتوري في الأبيات السابقة هو تعبير ساخر ملتزم أو بالأحرى ملخص لمجريات الأمور التي اتخذ الشاعر تجاهه موقفه الخاص . وكذلك في هجائه لكافور نرى لونا من الالتزام الاجتماعي الذي يكثر فيه تصدّيه للقيم والعدالة الاجتماعية . فهو يرى أنّ تحكم الأميّ القليل القدر ، الذي يسعى إلى إخفاء عيوبه الدالة على وضاعة أصله وذلّه للأحرار ، فجيعة لا يمكن أن تكون إلا عقابا لأعظم الآثام . ولم يكن يحقد على كافور بالذات ، بل على إنسان عصره ، ونقمته على كافور ليست سوى صورة لإظهار نقمته على جهل أولئك الذين جعلوا يلصقون بالترف والمظاهر الخلاعية والتخنث ويعجزون عن النهوض إلى المعالي والأعمال الجليلة . فهناك اقتراب بين التزام أبي الطيب والتزام ابن الرومي ، حيث كلاهما ينظران إلى حظوظ الآخرين التي يتمتعون بها دون جدارة وحكمة ، بنقمة يجسمانها على واقع الظلم في الحياة والمجتمع . إلا أنّ هناك اختلافا بين الشاعرين في مستوى طموحهما ؛ إذ إنّ ابن الرومي ينقم على الشرطة والكتّاب والتجار ويتوقّع من الحياة بالمساواة في الشبع والغنى ، بينما أنّ المتنبي يسخط على الملوك والأمراء ، ويرنو إلى المعالي التي لا تتمثل له إلا في الإمارة والولاية وسائر مظاهر السلطة والعظمة . فنرى أنّ الالتزام في هذا اللون من الهجاء في كثير من الأحيان قد تولّى الدفاع عن القيم والحقيقة ، وأصبحت قضية الشاعر قضية العدالة الاجتماعية والمصير الإنساني . والحقيقة التي لابدّ أن ننتبه إليها في التزام الشعراء الكاريكاتوريين ، هي أنّ ما كان هؤلاء الشعراء يعبّرون عنه من خلال التزامهم أو يدعون إليه ، لا يريدون أن يقتصر عليهم وحدهم فرداً ، لأنّ