تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥

6 - 8 المتنبي والتزامه في الهجاء الكاريكاتوري

إذا فتحنا ديوان شعر المتنبي ، نرى أنّ أغلبية أشعاره تتصف بالالتزام ، حيث تشارك بفكرة أو قضية وترتبط بها وتدافع عنها أو تدعو إليها وتعمل لها . ففيها كثير من الصور والمعاني والأساليب الفنية التي تتجلى من خلال رؤيته القائمة على الالتزام بالمبادئ الإنسانية أو القضايا الاجتماعية أو المواقف السياسية ، حيث تتوهج بالعاطفة السامية عن الوجود والحياة أو ترافق تطور الحياة العامة في المجتمع ، أو تعبر عن موقفه السياسي . فهو في كثير من أشعاره يرنو إلى بناء الإنسان وتنوير المجتمع ويتخذه كوسيلة للبناء والتنمية الحضارية لكل روافد الحياة ، ثقافية أو اجتماعية أو سياسية . ومن الطبيعي أن لا يكون هجاؤه الكاريكاتوري أيضا بعيدا عن هذا الالتزام الذي تتصف به أغلبية أشعاره ، فلا شكّ أنّ هجاء المتنبي لبعض الأمراء والقواد والأشخاص كان ناجما عن دوافعه الشخصية ونقمته عليهم ، لكننا إذا أمعنا النظر في ذلك الهجاء تحقق لنا أنّ الشاعر من خلال نقمته على أولئك الأفراد كان يتسخط على المجتمع والحياة . وهذا الأمر هو الذي يعلل لنا نقمته على ملوك زمانه وأصحاب السلطة بتصوير كاريكاتوري ساخر ، حيث يقول :
أرَانِبُ غَيْرَ أنَّهُمُ مُلُوكٌ * مُفَتَّحَةٌ عُيُونُهُمُ نِيَامُ بِأجْسَامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فِيهَا * وَمَا أقْرَانُهَا إلا الطَّعَامُ
( 231 : 1 ) لقد ظهر التزام الشاعر هنا في الهجاء الناجم عن شدة نقمته على الذين مسخهم أرانب ، لمكرهم وحقارتهم . ولعلنا نستطيع أن نستنبط من قوله « مفتحة عيونهم نيام » ذلك الغباء الذي يتصف به هؤلاء الملوك . فهم يتظاهرون بالحكمة والحنكة والمعرفة ، أي إنهم يتظاهرون بأن عيونهم مفتحة ، بينما أنهم أغبياء غافلون ، كأنهم نيام ، ثمّ يرسم خمول أولئك الملوك الذين كان جلّ اهتمامهم على التنعم بالطعام دون الاجتهاد في سبيل تحقيق الغايات الكبيرة . فلا شكّ أنّ المتنبي يبالغ في احتقاره لأولئك الملوك ، متأثرا بدافع داخلي ذاتي يعبّر عن نقمته عليهم ، إلا أنّ هجائه هذا بالرغم من ذلك ، نقد لواقع السلطة والمجتمع في عصره