تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
التزامي يدافع عن رأي الشاعر ويحاول أن يقنع بعقيدته . لذلك كثرت الحجة والبينات والشواهد لديه ، كما تضاعف التساؤل والتعجب والاستهجان ، وغيرها من أساليب التهويل والتأثير والإقناع . فشعره أشبه بمرافعة دائمة يعرض فيه قضاياه ومطالبه ، حيث يدافع ويترجّى ويحاول أن يحقق مطاليبه . ولعل قصيدته الاجتماعية في أبي سهل بن نوبخت التي يتوسل فيها بالمقابلة بين كفاءته وفقره ، وبين عجز أصحاب الوظائف وغناهم ، وبذلك يتخذ احتجاجا وبينة لقضيته ، لخير مثال على التزامه . حيث يقول :
أمِنَ العَدلِ أنْ تَعُدّ كَثيراً * لي ، مَا تَسْتَقِلّ للأوقَابِ أتراني دُونَ الألَى بَلَغوا * الأمالَ مِنْ شُرْطَةٍ وَمِنْ كُتابِ وَتُجَار مثْل البهائمِ فَازوا * بِالمْنى فِي النفُوسِ وَالأَحْبابِ فيهما لكْنَةُ النّبيطِ ، وَلكنْ * تَحتَها جَاهليّةُ الأعْرَاب « 1 » أصبحوا يَلعَبونَ في ظِلّ دَهرٍ * ظاهر السّخفِ ، مثلهم لعّاب غَير مُغنينَ بالسيوفِ ولا الأقلام * في مَوطنِ غناء ذباب خَيرُ ما فيهم ولا خَيرَ فِيِهم * إنَّهم غَير آثمي المَغْتابِ « 2 »
( 318 : 1 - 319 ) فتعجّب الشاعر من أنّ أبا سهل لا يقتر في عطاء الأدنياء الأذلاء ، بل يتعاظم إعطاءه ، فلذلك بدأ هجاؤه بالتساؤل الذي يدلّ على تعجبه وحيرته ، وإن يتّجه تساؤله هذا إلى الممدوح ظاهرا ، ولكنه في الحقيقة يرتبط بالمشكلة التي كانت تتعقد في نفس الشاعر الملتزم . وقضيته مع أبي سهل هي قضيته مع الحياة جميعا ، مع المجتمع الذي لا يزال يهب حق الكرام للؤماء . فنلمس التزام الشاعر في هذه الأبيات ، فكأنه قد ألزم نفسه بأن يتصل بما حوله وأن يكون قريبا من الناس ، وأن يصهر كل عواطفه وكل جوارحه في بوتقة مشاعرهم وحاجاتهم .
هامش
( 1 ) - اللكنة : غلبة العجمة على اللفظ ( 2 ) - أي إن من يعيبهم لا ذنب عليه .