تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
يلتقط نواحي النقص في ما يراه . وهذا الالتزام لا يقتصر على هجائه الاجتماعي ، بل نراه أيضا في هجائه السياسي . كقوله في إسماعيل بن بلبل ، وزير الموفق عندما كشف نهبه لأموال الدولة ، من خلال مقارنة حاضره بأمسه . فيقول :
وَشُيِّدَتِ القُصُورُ لَهُ * وَكَانَتْ قبلُ أكْوَاخَا وَصَارَ أخَسُّ مَنْ مَعَهُ * لَهُ عِشْرُونَ طَبَّاخَا وَكَانَتْ أمُّهُ كَمَّا * خَةً وَأبُوهُ كَمَّاخَا « 1 » عَجِبْتُ لِمَنْ رَأى هَذَا * بِعَيْنَيْهِ فَمَا سَاخَا إلَى اللهِ الصُّراخُ فَهَلْ * يُحِيرُ إليَّ إصْرَاخَا عَدمْت المُلْكَ إنَّ لَهُ * لأوْضَاراً وَأوْسَاخَا
( 107 : 2 ) فكأن الشاعر يرى أنّ الالتزام السياسي المباشر غير ضروري في الفن والأدب . فلا شك أنّ التعبير الأدبي عن السياسة ليس مرفوضا ، ولكن في رأي الشاعر من المطلوب أن لا يكون تعبيرا مباشرا ، لكي لا ينقلب العمل الأدبي إلى مجرد خطاب سياسي جاف لا يستند إلى أية خاصية فنية أو جمالية تجعل منه أدبا أو إبداعا فنيا . فالشاعر في التزامه السياسي يتجاوز التصوير المباشر والسطحي للواقع ، ليغوص في أعماقه ويكشف عن خباياه وتناقضاته ، وفي ذات الوقت يبرر رؤية سياسية ، إزاء مايكشفه ، وبذلك سيكون الحل الذي سيطرحه حلا سياسيا أيضا بالضرورة . لعلنا لا نبالغ في القول إننا نلمس هذا الالتزام حتى في هجائه الكاريكاتوري لملامح الوجه ، فعلى سبيل المثال نرى في هجائه لأصحاب اللحى شيئا من الهجاء المتصل بالمعنى الحضاري للإنسان وغايته من نفسه ومن حياته ، فهو ينقم على أولئك الذين يفدون إلى العالم ، فلا ينهضون إلى غاية بعيدة ولا يحرصون على التحلّى بحلية العقل والأخلاق ، بل يقتصرون من الأمر كله على التفاخر بمظاهر الغريزة في ذقونهم . وهكذا إنّ الباحث في شعر ابن الرومي وكذلك في هجائه الكاريكاتوري ، يجد أنه شعر
هامش
( 1 ) - الكمّاخ والكمّاخة : من كمخ بأنفه : إذا شمخ بأنفه تكبرا ، والكماخ : الكبر والتعظم .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 313 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي