تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
منصبا لا يستحقه ، فبعد أن يستهلّ الأبيات بالهجاء الكاريكاتوري الفردي ، ينتقل إلى الهجاء الكاريكاتوري الاجتماعي الذي ينتج من شعوره بالظلم والاختلال الاجتماعي ويقول :
لَو تَرَا هُ ثَانِياً مِنْ عِطْفِهِ * مَائِلًا فِي السَّرجِ مِنْ فَرطِ الصَّلِفْ شَامِخاً بِالأنْفِ مِن نَخْوَتِهِ * فَهْوَ لَوْ يُسْتَرعَفُ الخلُ رَعَفْ لَرَأتْ عَيْناكَ مِنهُ عَجَبا * مُنسيا كلّ عجيبٍ مُطّرَفْ نَحْنُ أحْيَاءٌ عَلَى الأرْضِ وَقَدْ * خَسَفَ الدَهرُ بِنَا ، ثُمَّ خَسَفْ « 1 » أصبَحَ السَافِلُ مِنَّا عَالِياً * وَهَوَى أهْلُ الْمَعَالِي وَالشَّرَفْ رَبِّ أنْصِفْنِي مِنَ الدَهْرِ ، فَمَا * لِيَ إلا بِكَ مِنْهُ مُنْتَصَفْ يَسْفُلُ النَّاسُ وَيَعْلُو مَعْشَرٌ * قَارَفُوا الأقْرافَ مِنْ كُلِّ طَرَفْ وَلَعَمْرِي إنْ تَأمَّلْنَاهُمُ * مَا عَلوا ، لَكِنْ طَفوْا ، مِثْلَ الْجِيَفْ
( 216 : 4 ) فالتزام الشاعر يظهر من خلال ما رسم من تجبّر المهجو وتمايله عجبا على ظهر مطيّته ، وما وصف من ظلم القدر الذي يعبث بأقدار الناس ، لأنّه يرفع السافل إلى الأعلى وينحدر بذوي القدر إلى الحضيض ، وإن هجا الشاعر ذلك المرء المتكبّر والمتعاظم بنفسه ظاهرا ، فإنّما يهجو مجتمعه حقيقة إذ رفعه دون جدارة ، كما يهجو الدهر الذي يظلم دائما ذوي الجَدارة . ولعلّ اقتران هجائه للمجتمع بهجائه للدهر ، ينتج من توهمه أنّ فساد المجتمع يتأدى عن نوع من الخبط في الحكمة التي تنتظم العالم . وهكذا كان ابن الرومي يعي المجتمع من حوله ويؤمن بالقيم ومفهوم الإنسانية وغايته في المجتمع ، ويدرك معنى الحضارة ووظيفة الناس لإنشاء هذه الحضارة ، فيعزّ على نفسه أن يعيش في مجتمع ضاعت فيه القيم ، وافتقدت فيه معاني الكفاءة والأخلاق والكرامة والعزة والإباء . فهولم يكن شاعرا ساخطا يدفعه الحقد إلى الهجاء فحسب ، بل فساد المجتمع كان يدفعه إلى ذلك أيضا ، لأنّ عدم نيله الحظ الذي تؤهله له قدرته وذكاؤه ، يرجع إلى مجتمعه ، فلهذا سلّ لسانه على كل أفراد المجتمع ، كناقد حساس ملتزم يفحص ما أمامه ، و
هامش
( 1 ) - خسف : أذل .