تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
من رفع الزمان أقواما ووضعه أقواما أخرى دون إنصاف ، فقال هاجياً :
ظَالِماً لِي مَعَ الزَّمَانِ الَّذِي ابْتَزْ * زَ حُقُوقَ الْكِرَامِ لِلّؤمَاءِ « 1 »
( 46 : 1 ) لقد اجتمعت في ذهن ابن الرومي كل هذه المفارقات العجيبة ، وهذه المقاييس المختلة التي توزن بها الأمور في عصره ، وصارت هذه الأشياء تتعقد لديه يوما بعد يوم ، وتتفاقم في قرارة نفسه ، فتخرج في النهاية بهجاء كاريكاتوري ملتزم يضحك من هذه التناقضات في عصره وفي مجتمعه وفي نفس الوقت يشفى غليل صدره ويرد الظلم عنه ، حتى ليهيئ للسامع أنّ هجاءه نابع مما التزم به من القيم البشرية ومن نتاج شعوره بالظلم . وفي هذا يقول عبد المجيد الحر : « وتجدر الإشارة إلى أنّ شاعرنا تفرد بهذا الوعي الصارم الفاجع لأزمة الناس الأخلاقية دون بقية شعراء عصره ، فأنت لا ترى في قصائد سائر الشعراء هذا الموقف الجريء الناقد لخفايا البشر ، والفاضح لخداعهم وممالأتهم في سبيل التكسب والوصول إلى إرضاء ما يرضى في شهواتهم وسد حاجاتها » ( 153 ) . ولهذا نستطيع أن نقول إنّ ابن الرومي يتناول المجتمع كله في اختلال أخلاقه ، وانعدام القيم الانسانية النبيلة فيه ، و « لقد كان للقيم نصابها بالنسبة إليه ، وهو لا يبرح يشكو من افتقادها له وعبث ذوي الأطماع به . ونقمته على الناس كانت تنبعث من نفسه لتخليهم عن معنى الإنسان فيهم حتى غدا شعره مرآة قانطة تنعكس فيها آفات العصر وعاهاته كلّها » ( حاوي 576 ) . فصار هجاؤه الكاريكاتوري هجاء ملتزما في أسلوبه ومعانيه ، ومن هذا الالتزام ما يريد أن يحييه من حياة تليق بمنزلة الشاعر ، وبالمنزلة التي كان يراها أهلا لها ، فلذلك نجده يثور على الشعراء لكذبهم في المدح ونسبتهم الكرم إلى من لا يصحّ فيه ، كما يثور في بعض أشعاره على الممدوح لتظاهره بما لا يصدق في أخلاقه . كما يقول في أحدهم :
أدعُو عَلَى الشُّعَرَاءِ أخْبَثَ دَعوةٍ * إذْ مَجَّدُوكَ ، وَغَيْرُكَ الأمْجَادُ قُلْ لِي بِأيَّةِ حِيلةٍ أعْمَلْتهَا * هَتَفُوا بِأنَّكَ لا حِفظْتَ - جوادُ
( 243 : 2 ) ولعلّنا نستطيع أن نلمس بُعد التزامه الاجتماعي في أبيات يهجو بها أباصقر لاكتسابه
هامش
( 1 ) - ابتزّ الشيء : أخذه غصبا .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 311 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي