يحس بها ويحياها فلا ينشغل عنها بالأمور الطارئة ، بل يتمثلها دوما أمامه ، ولا يكتفي بذكرها والتحدث عنها ، بل يعيش أبدا تحت وطأتها ، فالأزمة لا تكون حقيقة واقعة إلا عندما يشعر ويدرك معناها وخطرها » ( 10 ) .
فالتزام الشاعر في هجائه الاجتماعي نتيجة تشاؤمه من الواقع الذي أصابه بالحرمان منذ صباه ، وبسبب نقمته على سلوك الأفراد والمجتمع الذي لقي فيه الازدراء ، فأطلق لسانه في أعراض الناس ليحمي نفسه وكل مظلوم عليه من الازدراء ، ويهاجم من وصلوا إلى منازل ليسوا لها بأهل . والباعث الواقعي على التزامه الاجتماعي في الهجاء ليس هو الحقد على المجتمع فحسب ، بل هو تفشي الأمراض الاجتماعية في مجتمعه وفقدان روح الإخاء بين الناس في عهده . فلا يجد في هذا المجتمع من يواسيه ويعطف عليه ، فإذا مدح الناس منعوه من العطاء ، وإذا استجدي عطفهم وطلب عونهم أعرضوا عنه ، وكلما تقرب منهم نفروا منه ، وأينما ولى وجهه وجد ظلما وازدراء ، فلم ينل حظه في مجتمعه ولم يقدر الناس شعره وذكاءه وعبقريته ، فتشكلت لدى الشاعر شخصية ملتزمة ، تكوّنت جوانبها من خلال نظرة الشاعر السلبية إلى مجتمعه ، والموقف السلبي الذي اتخذه أمامه . فكان انطلاقا من هذه العوامل الموضوعية ، أن يظهر التزامه في سخطه على المجتمع وعلى الذين وصلوا فيه إلى أعلى منزلة دون أن يكونوا أهلا لها ، ابتداء بالخلفاء والأمراء والوزراء وكتّاب الدولة ورؤساء القواد ، ومرورا بأواسط الناس من مغنين وشعراء وتجار وفقهاء ونحاة ، وقضاة ، انتهاء إلى عامة الناس وأدناهم منزلة ومنصبا .
فلمّا كان المجتمع يعبث به ويتخذه هزؤا ، ويستغل طيرته وتشاؤمه ليضحك منه ، لم يستطع الشاعر صبرا على هذه التصرفات ، ولم يطق أن يرى نفسه ذليلة مهزومة بين قوم استطاعوا بمكرهم وتملّقهم الوصول إلى مناصب ليسوا لها بأهل ولا كفاءة لهم فيها ، حيث إنّ بضاعتهم في العلم والثقافة بضاعة تافه ، ولا يعرفون ماذا يقدمون وماذا يؤخرون في الوظائف التي وُلّوا عليها ؛ بينما أنّه صاحب علم وثقافة وله في اللغة والأدب والدين والفلسفة والفلك والحساب ما ليس لغيره من الناس لم يطق كل ذلك ، فكان من الطبيعي أن يعجب
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 310
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٣١٠