تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
رسمها للمهجو يسلبه جميع الفضائل التي تعتز بها النفس الصارمة البدوية كالنخوة والكرم والبأس وطيب النحيزة ، ويجعله رجلا يشمئز البدوي من صفاته ويحتقره ، أمّا ابن الرومي فيلصق بمهجوه كل عيوب الحضارة التي يجمعها التبذل والتهالك على الذات ويسلبه الفطنة والكياسة والعلم ؛ إلا أنّ كليهما ملتزمان فكريا ، ومتخذان موضعا واضحا في أهاجيهما الكاريكاتورية . فمثل التزام دعبل أيضا نراه في هجاء ابن الرومي الكاريكاتوري الاجتماعي الذي شكّل مرحلة قائمة بذاتها في تطور هذا اللون من الهجاء والذي استطاع أن يُرَقِّي الفن الساخر إلى ذروته ، بحيث يمكن تقسيم بعض لوحاته إلى عدد من اللوحات الساخرة التي تكون لكل واحد منها قيمتها الفنية وقدرتها على طرح ظاهرة أو قضية مختلفة . ومنها ما بيّنّاه سابقا في هجائه الاجتماعي المشوب بالسخرية الفاجعة المريرة ، إذ قال :
طَارَ قَوْمٌ بِخِفَّةِ الوَزْنِ حَتَّى * لَحِقُوا خِفّةً بِقَابِ العُقَابِ وَرَسَا الرّاجِحُونَ مِن جُلّة النّا * س رُسُّوا الْجِبَالِ ذاتِ الْهِضَابِ وَلَمَا ذَاكَ للِّئَامِ بِفَخْرِ * لا وَلا ذَاكَ لِلْكِرام بعابِ هَكَذَا الصَّخْرُ رَاجِحُ الْوَزْنِ راس * وَكَذَا الذَرُّ شَائِلُ الوَزْنِ هَابِ فَليَطِرْ مَعْشَرٌ ، وَيَعْلوُا فَإنِّي * لا أرَاهُمْ إلا بِأسْفَل قَابِ جِيَفٌ أنْتَنَتْ ، فَأضْحَتْ عَلَى اللُّجَةِ * وَالدُّرُّ تَحْتِهَا فِي حِجَابِ وَغُثَاء عَلا عُبَابا مِنَ اليَمِّ * وَغَاصَ الْمَرْجَانُ تَحْتَ العُبَابِ وَرجَالٍ تَغْلبُوا بِزَمَانٍ * أنَا فِيهِ وَفِيهِمُ ذُو اغْتِرَابِ غَلَبُونِي بِهِ عَلَى كُلِّ حَظٍّ * غَيْرَ حَظّ يَفُوقُ كُلِّ اغْتِصَابِ
( 314 : 1 - 315 ) فهجاء ابن الرومي هنا من صور الالتزام الصادقة ، حيث إنّ هذه الأبيات تمثل مشاعر الشاعر وأحاسيسه في قضية اجتماعية ، ولعله جرى على هذه الصرخة المبكرة للمفكر قسطنطين زريق ، فقال : « أول واجبات المفكر بل واجبه الأساسي في أوقات الأزمات هو أن