وهكذا نجد أنّ التزام دعبل يتمثّل ببراعة في استخدام الصور الحسية الملموسة التي يرسمها بدقة بالغة رسام ماهر ، وفنان كبير يتحسس ألم الناس في عصره وأوجاعهم ويبرزها في أشعاره ولا سيما هجائه الكاريكاتوري الذي يحرص فيه على الاصلاح والتغيير إلى الأفضل . فهو شاعر ملتزم ينبع التزامه من قلبه وبيئته وعقيدته ، يقوم به عن وعي واقتناع واختيار حرّ دونما تكلّف وإكراه . فحريته هذه هي التي تضفي على التزامه معنى الشعور بالمسؤولية ؛ إذ كان دعبل يفكّر بأنّه مسؤول أمام ضميره وأمام عقيدته ، وأمام المجتمع الذي ينتمي إليه وأمام الإنسانية بأسرها .
6 - 7 ابن الرومي والتزامه في الهجاء الكاريكاتوري
إذا تأملنا في بعض القصائد الهجائية لابن الرومي يتضح أنّه قد تأثر بدعبل الخزاعي ولا سيما في صوره الكاريكاتورية الشعرية ، حيث جعل بعض الأدباء يقرنونه به ، ويعتبرونهما من أعلام الهجاء في الشعر العربي . فقال فيه أبو العلاء المعري :
لَوْ نَطَقَ الدَّهْرُ هَجَا أهْلَهُ * كَأنَّهُ الرُّومِيُّ أوْ دِعْبِلُ
( 171 )
ويقول الدكتور مصطفى الشكعه في هذا الصدد : « إنّ فضلا كبيرا يعود ، في أصل مدرسة الصورة الشعرية الساخرة التي ازدهرت عند ابن الرومي ، بحيث عرفت به ونسبت إليه ، يرجع إلى دعبل الشاعر الرسام الهجّاء » ( 68 ) . فلا تختلف الصورة الفنية في هجاء ابن الرومي الساخر عن مثيلتها عند دعبل ، إلا في طبيعة كل شاعر ، وبواعث الهجاء عنده ، وتكون نتيجة للفرق بين المذهب البدوي الذي يمثله دعبل والمذهب الحضري الذي يمثله ابن الرومي في الهجاء ، فدعبل بدوي نافر وابن الرومي حضري أنيس . وإذا تبرّم ابن الرومي من مجتمعه وما حوله في الوجود ، فإنما يتبرم تبرم من يألف مجتمعه ويأنس إليه ، ويعاني من عشرة أناسه ثم يسخط عليهم ، لأنه مرتبط بهم ولا يستطيع العيش دونهم ، فأساس سخطه المودة والألفة وليس القطيعة والنفور ، بينما أنّ دعبلا كان ذا نزعة انتقامية صعلوكية ، بحكم أنّه عاش قسما من حياته في الصعلكة وقطع الطريق والنهب والسلب ، وهذا الفرق أثّر في الشاعرين في موضوع المثالب التي يلصقها كل واحد منهما بمهجويه . حيث إنّ دعبلا في الصور التي