وينطلق من ممارسات واقعية في مختلف جنبات الحياة . إنّه وئام بين الإنسان ونفسه ، وبينه وبين الآخرين .
وهذا الالتزام في شعر دعبل لا يقتصر على الأحداث السياسية أو الاجتماعية الهامة التي لابدّ لكل شاعر ملتزم أن يتخذ موقفا منها ، بل يتسرب إلى الأحداث اليومية التي يرسمها الشاعر في صور كاريكاتورية شعرية ، فيثير فيها المفارقات ويسخر من أناس يصور فيهم روح ذلك العصر المتمثلة ب - « النهش » ، و « الالتهام » . كالصور المتحركة الساخرة التي رسمها للمؤذن وضيوفه حيث يغزون دار جارهم ، ويأسرون « ديكا » ، ثم يهجمون عليه بنات وبنينا إذ أصابهم الجوع ، ثم تلي الصورة الحسية الساخرة في البيت الأخير وهم ينهشون الديك . وهذه اللوحة الشعرية يمكن أن نرى فيها رمزا يمثل فئة واسعة من أناس ذلك العصر لم يكن يهمها سوى « النهش » . وقد رويت هذه الحادثة في كتب تاريخ الأدب ، حيث قيل : حدث أحمد بن خالد قال : كنّا يوما بدار صالح ، رجل من عبد القيس ، ببغداد ومعنا جماعة من أصحابنا ، فسقط على سطحه ديك طار من دار دعبل ، فلما رأيناه قلنا : هذا صيد فأخذناه ، فقال صالح : ما نصنع به ؟ قلنا : نذبحه . فذبحناه وشويناه ، وخرج دعبل فسأل عن الديك ، فعرف انه سقط في دار صالح ، فطلبه منا فجحدناه . وشربنا يومنا ، فلمّا كان من الغد خرج دعبل فصلّى الغداة ، ثم جلس على باب المسجد ، وكان ذلك المسجد مجمعا للناس يجتمع فيه جماعة من العلماء وينتابهم الناس ، فجلس دعبل على المسجد ثم أنشدهم ( انظر : الأصفهاني 141 : 20 ) :
أَسَرَ المؤذِّنَ صالحٌ وضُيوفُهُ * أسْرَ الكميِّ هَفا خِلالَ الماقِطِ « 1 »
بَعَثوا عَلَيهِ بَنيهِمُ وَبَناتهِمْ * مِنْ بَيْنِ ناتِفَةٍ وآخَرَ سامِطِ « 2 »
يَتنازَعونَ كَأنهُم قد أوثَقوا * خاقانَ أو هَزموا كتائِبَ ناعطِ « 3 »
نَهَشوهُ فانتُزِعَتْ لَهُ أَسنانُهُم * وتهشَّمتْ أقفَاؤُهُمْ بالحائِطِ
( 125 )
هامش
( 1 ) - الكمي : الشجاع .
( 2 ) - السامط : الشاوي
( 3 ) - ناعط : اسم قبيلة من همدان .