خِرْقٌ عَلَى جُلَسَائِهِ فَكَأنَّهُمْ * حَضَروا لِمَلحَمَةٍ وَيَوْمِ جِلادِ
يَسْطُو عَلَى كُتَّابهِ بِدَواتِهِ * فَمُضَمَّخٌ بِدَمٍ وَنُضْحِ مِدَاد « 1 »
وَكَأنَّهُ مِن دِيْر هِزقِلَ مُفْلِتٌ * حَرِدٌ يَجُرُّ سَلاسِلَ الأقْيَادِ « 2 »
فَاشْدُدْ أمِيرَ الْمُؤمِنِينَ وِثَاقُه * فَأصَحُّ مِنْهُ بَقيَّةُ الْحدّادِ
( 91 )
فيرى الشاعر أنّ أمرا يدبّره هذا الوزير هو أولى الأمور بضيعة وفساد ، ثم يقدم صورة ساخرة تثبت حمقه ، ويشبّهه بشخص أفلت من مصح المجانين ، ويطلب من الخليفة أن يشدد وثاقه ، ليسلم منه بقية المجانين . وهذا كشف للوضع السياسي القائم وتعريته ، وتمثيل لالتزام دعبل بهجائه الساخر لرجال الدولة .
فكما يبدو أنّ هجاء دعبل بعامة والكاريكاتوري منه بخاصة كان يمثل التزامه السياسي ، وينتظم في سياق حركة دينية سياسية اجتماعية كانت تجري ، وكان له موقعه منها ودوره فيها ، وله قدرات تتجلى من خلاله ، أولاها : الرؤية النافذة إلى جوهر الأمور والقضايا ، ثانيتها : تجسيد هذه الرؤية في تصوير شعري كاشف ساخر ، وثالثتها : الجرأة على قول هذه اللغة ونشرها والثبات في ذلك مهما كلف الأمر من التضحيات .
ولا نغلو في قولنا هذا إنّ دعبلا يتخذ في شعره مواقف انسانية تثير الإعجاب في عنف الشجاعة التي تمثل فيها . حيث إنّ « وراء نقمة دعبل على الناس وعلى نفسه ، كان يومض وميض حي من الشعور الإنساني الفائق ، فهو لا يطيق أن يشهد فواجع الظلم تمثل بمنكرها أمام عينيه ، دون أن يكون لديه شجاعة للثورة عليها . فكم من أناس عاصروا دعبلا وشهدوا ما شهد ولبثوا صامتين ، إما خوفا ، وإما تملقاً ، وإمّا استدراراً للحظوة ، بينما ثار دعبل دون تقية وهو يدرك أن ثورته قد تهدر دمه . فالخليفة الذي لم يتورّع عن قتل أخيه لن يتورّع عن قتل شاعر بائس . إلا أنّه ، بالرغم من ذلك ، أقحم نفسه » ( حاوي 473 - 474 ) ، منتصرا للعلويين بهجاء الخلفاء العباسيين ، وها هو الالتزام الذي يبدأ بالنية الصادقة ، والعزم الذي لا يتزعزع ،
هامش
( 1 ) - النضح : رش الماء .
( 2 ) - دير هزقل : أصله هزقيل ، ثم نقل إلى هزقل وهو دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرمة راجع معجم البلدان 540 : 2 )