فمن التزامه بالتصوير الكاريكاتوري للخليفة المغني الذي بويع ، قوله في سياق جدل سياسي يرد به على مقولة العباسيين على لسان مروان بن أبي حفصة ، إذ قال :
أنَّى يَكُونُ وَلَيْسَ ذَاكَ بِكَائِنٍ * لِبَنِي الْبَنَاتِ وِرَاثَةِ الأَعْمَامِ
( الأصفهاني 111 : 10 )
فيقول دعبل :
نَعَرَ ابن شَكْلَة بِالْعِرَاقِ وَأهْلِهِ * فَهَفَا إليْهِ كُلُّ أطْيَشَ مَائِقِ « 1 »
إنْ كَانَ إبْرَاهِيمُ مُضْطَلِعاً بِهَا * فَلْتَصْلَحَنْ ، مِنْ بَعْدِهِ لمَخَارِق « 2 »
وَلتَصْلَحَنْ ، مِنْ بَعْدِ ذَاك لِزُلْزُل * وَلْتَصْلَحَنْ مِنْ بَعْدِهِ لِلْمَارِقِي « 3 »
أنَّى يَكونُ ، وَلَيْسَ ذاكَ بِكَائِن * يَرِثُ الخِلافَة فَاسِقٌ عَن فَاسِق
( 116 )
فالتزام الشاعر هنا يتجلى في ردّه على دعوى العباسيين ، وتبيين طبيعة من يرث الخلافة منهم ، وكأنّه قدر المسلمين أن تحكمهم سلالة من المغنين ، ثم يتحدث عن الحدث السياسي الدائر ، والفكرة التي تشغله وهي من يصلح الخلافة ؟ ولماذا ؟ ولم يكن دعبل الشاعر الوحيد الذي ردّ على مقولة العباسيين التي نطق بها مروان بن أبي حفصة ، وقد سجل الأدب شعرا كثيرا من هذا ، ومنه قول جعفر الطائي :
لِمَ لا يَكُونُ وَإنَّ ذاكَ لَكَائِنٌ * لِبَنِي الْبَنَاتِ وِرَاثَةُ الأَعْمَامِ
لِلْبنْتِ نِصْفٌ كَامِلٌ مِنْ مَالِهِ * وَالْعَمُّ مَتْرُوكٌ بِغَيْرِ سِهَامِ
مَا لِلطَّلِيقِ وَلِلتُّراثِ وَإنَّمَا * صَلَّى اللَّطيف مَخَافَةَ الصَّمْصَامِ
( الأصفهاني 83 : 4 )
ويبدو أنّ هجاء دعبل تناقله الناس ورددوه ، وهذا يفسر إعجاب المأمون به . وكذلك هجاؤه لأبي عباد ، ثابت بن يحيى وزير المأمون الذي قال فيه المأمون : « والله ما رأيت أبا عباد مقبلا إلا أضحكني قول دعبل فيه » ( الصفدي 473 : 10 ) ، ( الأصفهاني 133 : 20 ) ، وهو :
أوْلَى الأُمُورِ بِضَيْعَةٍ وَفَسَادٍ * أمْرٌ يُدَبِّرُهُ أبُوعبَّادِ
هامش
( 1 ) - ابن شكلة : هو إبراهيم بن المهدي وشكله أمه . نعر : صاح . مائق : أحمق .
( 2 ) - مخارق : أحد المغنين وهو ابن يحيى بن ناوس الجزار .
( 3 ) - زلزل والمارقي : من كبار مغني العصر العباسي ، وزلزل : منصور الضارب الذي أحدث العيدان الشبابيط .