وتبعا لذلك فالهجاء الكاريكاتوري الذي قد عرف دعبل اسراره الفنية الساخرة ، نحا به منحى شعبيا ، لسهولة فهمه واختياره للألفاظ المتداولة وصوره الساخرة التي عالجت القضايا الشعبية ، فهذه الميزات جعلته مقبولا لدى الناس فأخذوا يرددونه في حياتهم اليومية . ولعل ما نجده اليوم في الرسوم الساخرة أو الكاريكاتور في الصحف والمجلات السياسية يمثل تأثير هجاء دعبل الكاريكاتوري السياسي في المجتمع العباسي آنذاك .
أمّا التزام دعبل السياسي فتمثّل في هجائه للخلفاء ومنهم : هارون الرشيد ، والمأمون ، وإبراهيم بن المهدي ، والمعتصم ، والواثق ، والمتوكل ، وفي هجاء كبار رجال الدولة ، منهم : أحمد بن أبي دؤاد ، ومحمد بن عبد الله الزيات ، والحسن بن رجا وبني طاهر بن الحسين ، والمطلب بن عبد الله الخزاعي ، ومالك بن طوق التغلبي . فكثرة مهجويه السياسيين دليل على موقفه السياسي في شعره ولا سيما في هجائه . ومن الأمثلة على ذلك ما هجا به إبراهيم بن المهدي وهو أخو هارون الرشيد ، وكان مغنيا ، فقال فيه :
يَا مَعْشَرَ الأجْنَادِ لا تَقْنُطُوا * وَارْضُوا بِمَا كانَ وَلا تَسْخَطُوا
فَسَوْفَ تُعْطَوْنَ حُنينيَّةً * يَلْتَذُّهَا الأَمْردُ وَالأشْمَطُ « 1 »
وَالْمَعْبَدِيَّاتُ لِقُوَّادِكمْ * لا تَدْخُلُ الكيسَ وَلا تُربَطُ
وَهَكذَا يَرزُقُ أصْحَابَهُ * خَلِيفَةٌ مُصْحَفُهُ البَرْبَطُ
( 125 )
فكما نلاحظ في هذه الأبيات أنّ الشاعر قد ملك العيون الرائية الساخرة ، لكشف معايب الخلافة ورجالها بلغة شعرية ساخرة ، ولا شكّ أنّ هذه الأبيات هجاء سياسي يسلط الضوء على الواقع القائم ويكشفه ، وهجاؤه هذا يتصف بالالتزام ، حيث إنّه لواء معارض للسلطة والأوضاع المنحرفة في عصره . فإنّ الكاريكاتور في شعره فن الإدهاش والصدام والنيل من أوضاع تبدو غير لائقة ، فهو يحاول الخلخلة من أجل التغيير ومن أجل التحريض للمواجهة . لذا نجده يستند إلى هموم الناس والمعانين من التهميش والإهمال . فهو بذلك يحاول ابراز المستور والمعلول ، ويكون الهجاء بالنسبة إليه موقفا أساسا قبل أن يكون فنا .
هامش
( 1 ) - الأشمط : الأشيب .