بالدلالة ، ويرقى إلى مستوى انساني عام . وكذلك الصور الكاريكاتورية المتعلقة بالفئات المختلفة الاجتماعية هي تعبير عن قضايا المجتمع العباسي وما يعج به من ظواهر ، أو تعبير عن الفرد أو الذات بما لها من نزوع وطموح وهواجس وانشغالات ، كل ذلك يدخل في صميم التزام الشاعر بقضايامجتمعه ويدغدغ ذهنه لمشاكل عصره ، فيرسمه في لوحاته الشعرية الساخرة بوصفها وسيلة تلعب دورا هاما في تطوير الثقافة الإنسانية وإغنائها .
6 - 6 دعبل الخزاعي والتزامه في الهجاء الكاريكاتوري
كان دعبل بن علي الخزاعي من الشعراء المشهورين بوصفهم رائدي الالتزام . فتمثّل هذا الالتزام في شعره تمثلا سياسيا ، أو بعبارة أخرى التزامه بقضية الخلافة يعتبر تسجيلا سياسيا لموقف سياسي وإيديولوجي محدد ؛ إذ إنّ أساس الصراع في عهده ، هو التناقض السياسي والإيديولوجي بين الشيعة والعباسيين ، وباتخاذ هذه الممارسة السياسية والإيديولوجية في أهاجيه الكاريكاتورية قد التزم التزاما سياسيا يعتبر أرقى أشكال الالتزام ، وبذلك يدخل في علاقة معقدة بين الأدب والسياسة التي عرفها الدكتور حسين مروة بأنها « علم ولها شرف العلم ، ولها قوانين العلم وثوابته الكونية ، والسياسة طراز رفيع من السلوك ، هي سلوك كفاحي ، لا يسلكه غير المكافحين من أجل حرية الإنسان والإبداع ، ومن أجل تحرر الأوطان وتقدم البشرية وسعادة الشعوب ، وسلام العالم » ( مروة 27 ) . ولعلّ دعبلا بهذا الفهم أدخل السياسة في عملية الانسجام والاتساق مع الأدب . فإنّ السياسة إذا دخلت الأدب ، لا تفسده كما يدعي البعض ، بل تقويه وتحقق به أشكال تجلياتها الرفيعة ، لكن هذا الشكل الأسمى لمظاهر السياسة لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن المظاهر الجمالية الفنية للأدب ومنها الهجاء الساخر الذي كان دعبل قد أدرك تأثيره الفعال في المجتمع . فأشار إلى هذا التأثير في قصيدة يخاطب بها مالك بن طوق ، وقد رفض استقباله :
لَعَمْرِي لَئِنْ حَجَبَتْنِي الْعَبِيدُ * لَمَا حَجَبتنِي دوُنَكَ القَافِيَه
سَأَرْمِي بِهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَا * بِ شَنْعَاءَ تَأتِيكَ بِالدَّاهِيَه
تُصِمُّ السَّمِيعَ وَتُعْمِي البَصِيرَ * وَيُسْأَلُ مِنْ مِثلِها الْعَافِيَه
( 186 )