صور وعيه الاجتماعي وسلاح يستعين به في الحرب الطبقية من أجل القضاء على المجتمع الضرورة ، وبناء مجتمع الحرية البديل . فهجائه الكاريكاتوري هو ضرورة اجتماعية مرتبطة بالحياة وبالناس في العصر العباسي في نضالهم ضد إكراهات الواقع ، ويفرج فيه عن همّه الاجتماعي وهمّه السياسي الشعوبي باستمداده من الصور المرسومة المضخمة التي نلمس فيها دلالات اجتماعية جاءت وليدة عصرها وعكست صدى الاحتكاك الحضاري بالفرس ، وجمعت في صورها ضروبا من صراعات العصر بين الحفاظ على القيمة وبين الإصرار على الخروج عليها ، وتمثّل أحد مظاهره في المزاوجة بين الجد والهزل في رسم الصور ليتهكم على بعض عناصر الشعر العربي ، ومنها ما يقول :
قُلْ لِمَنْ يَبْكِي عَلَى رَسْمٍ دَرَسْ * وَاقِفاً مَا ضَرَّ لَوْ كَانَ جَلَسْ
اتْرُكْ الرَّبْعَ وَسَلْمَى جَانِباً * وَاصْطَبِحْ كَرْخِيَّةً مِثْلَ القَبَسْ
( 118 )
فرغم التباين النسبي بين بشار وأبي نواس في معالجة مثالب العرب كالطبقة الحاكمة على مجتمعهم ، فإن الذي يوحد بينهما هو التمرد على فكرة العروبة واتفاقهما حول الاختلاف الطبقي في هذا المجتمع ، وتأكيدهما المشترك عليها برسم الصور الفنية الهجائية التي ترتبط بالواقع والمجتمع . فالهجاء الكاريكاتوري عندهما في نهايته العملية ، يجيب على التعريف العام الذي وضعه « فرايد لندر » « 1 » للفن ، حيث يقول : الفن مفيد لما يزين ويعلم ، يروي . . . يجسد الخيال ويوقظ الضمير ( انظر : جوف 61 ) . وهكذا إنّ بشاراً وأبانواس الحقا هجائهما الكاريكاتوري بالفنون الكبرى لإظهار وظيفته داخل المجتمع ، إذ علما أنّ هذا هو شرط وجوب وجوده ، فلذلك مارساه بولع وفعالية كثيرة .
وإضافة إلى هذا الالتزام الاجتماعي والسياسي المتمثّل في الهجاء الكاريكاتوري الشعوبي ، إنّ أغلبية الصور الشعرية التي رسمها أبو نواس وغيره من الشعراء للبخل ، نماذج من الصور البارعة المتجسدة معنى اجتماعيا عميقا ولطيفا يتسم بالالتزام الاجتماعي . فالشاعر يضع في هذه اللوحات التعبير المناسب في مكان مناسب ويجيد فيها رسما ينطق
هامش
( 1 ) -Frid Lander