كما تكلّمها العرب أنفسهم .
فالتزام بشار في هجائه هذا قد مهّد الطريق لمن جاؤوا بعده من المفكرين والأحرار في تاريخ الاسلام ، حيث إنّه قد رفض فيه استبداد العرب ، « ولا شكّ أنّ معارضته القوية لاستبداد العرب كانت عاملا هاما في تقويض هذا الاستبداد ، وأنّ دعوته للموالي أن يعتزوا بكرامتهم البشرية كانت ذات أثر قوي في إنهاضهم من ذلهم واستكانتهم وتشجيع ضعاف القلوب منهم ، حتى زالت تلك الوصمة من صفحة الدولة الاسلامية وتحققت المساواة الجنسية التي أقرّها الاسلام من بدايته » ( النويهي 148 ) . فهذا ما يبرهن على قيمة الالتزام في الهجاء الكاريكاتوري واعتباره كوسيلة من وسائل النهوض بالأمة العربية ، وإقالة عثرها ، حتى نؤمن برسالة الشاعر ومسؤوليته في تطوير الحياة وتغييرها .
وكذلك أبو نواس وهو واحد من كبار الشعراء العباسيين الذين ظهر التزامهم من خلال منطق السخط وروح التهكم والسخرية المتمثّل في رسم الصور الشعرية . فهو مطالب بالكشف والتعرية عن العلائق الفاسدة القائمة في المجتمع ، بصورة غير مباشرة وعن طريق خلق الصورة الجمالية المركبة من ثورته على تقاليد المرسومة في مجتمعه وما يؤمن به متأثرا بالزمن الذي يعيش فيه . فيقول :
مُعَاقِرَةُ الْمُدَامِ بِوَجْهِ ظَبْي * حَوَى فِي الْحُسْنِ غَايَاتِ الرّهَان
إذَا مَا افْتَرَّ قُلْتُ خَطُوفُ بَرْقٍ * وَإمَّا اهْتزَّ ، قُلْتُ قَضِيبُ بَان
ألَذَّ إليَّ مِنْ عَيْشٍ بِوَادٍ * مَعَ الأعْرَابِ مَجْدُوبِ الْمَكَان
قُصَارَى عَيْشِهُمْ أكْلٌ لِضَبٍّ * وَشُرْبٌ مِنْ حَفِيرٍ فِي شِنَان
( 96 )
فلقد قام أبو نواس بهجاء العرب الذين حطموا كبرياء الموالي ، واتخذوهم سبايا وخدما ، هجاء يبطن سخرية بتقاليدهم الموروثة المتمثلة في الصور الشعرية ، تبدو نقدا اجتماعيا أو تعرية لواقع الحال في عصره . فعالم الهجاء عنده ليس على ما يراه البعض الانسلاخ من الاسلام الذي جاء به نبي عربي وكان العرب حملة لوائه أول الأمر ، كما أنّ هجائه ليس بناء قائما على علاقات ذهنية مطلقة ، بل هو قائم على علاقات اجتماعية ، وهو صورة حية من