تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
إذَا افْتَقَرَ الْمَوْلَى سَعَى لَكَ جَاهِدا * لِترْضى وَإنْ نَالَ الْغِنَى عَنْكَ أدْبَرَا
( الأصفهاني 158 : 1 ) وهو الذي ركب إلى المدينة ليشكو إلى واليها رجلا من الموالي تزوج امرأة من بني سليم ، فاستجاب له الوالي ، وأرسل إلى الزوج وفرق بينه وبين زوجته ، وضربه مائتي سوط وحلق رأسه وحاجبيه ( انظر : محمد الحوفي ، أدب السياسة في العصر الأموي 390 ) ، فرضى ابن بشير ، وقال أبياته التي سبقناها في مبحث الهجاء السياسي ، وفي ختامها :
فَأيُّ الْحَقِّ أنْصَفُ لِلْمَوَالِي * مِنْ إصْهَارِ الْعَبِيدِ إلَى الْعَبِيدِ
( الأصفهاني 150 : 14 ) لقد كانت مثل هذه الأمور هي التي تجبر بشار بن برد على اختيار تعبيره الخاص المتمثل في الهجاء الكاريكاتوري ، وتشكل الطبيعة النفسية الهجائية له ، ولاسيّما إنّه كان قوي الشخصية ، سريع البديهة ، حاضر الذاكرة ، بذيء اللسان ، يُحكم الردّ والجواب لمن يحاول الازدراء به ، فكان الالتزام يتأثر عنده بمعرفته ، وهذه المعرفة وذاك الالتزام يربطان بين وعيه وبين الواقع الذي يشاهده في المجتمع ويلاحظه في أفراده . فقد شعر بأنه يحمل على عاتقه هموم شعبه ، وأدى ذلك إلى توحيد ما بين همومه الفردية وهموم شعبه ، وغدت القضية الذاتية قضية اجتماعية في آن واحد ، ما دام الشاعر يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الذي يعيش في كنفه ، ومن هنا اكتسب شعر بشار في التزامه أبعادا اجتماعية وقومية وإنسانية . وهو في سبيل هذا الالتزام أضفى على شعره الهجائي لونا من السخرية اللاذعة بالرسم الكاريكاتوري ، التي تزيد من التشنيع والمهانة بهذا اللون من الهجاء ، حيث لم يكتف بذم العرب وتجريدهم من الفضائل والخصال الحميدة ، وإلصاق النقائص بهم ، بل زاد على ذلك صورا ساخرة تثير الاشمئزاز أو الضحك . فوجدت في الصور التي رسمها الشاعر ، الجرأة متنفسا للتعبير عن التزامه في رد العرب قبل الاسلام ، وأولئك الأعراب المتعصبين تعصب الجاهلية الأولى للعرب ، وأولئك الذين افتخروا بجنسهم ومآثرهم الجاهلية من الأنساب والعلاقات والمقاييس الأخلاقية ، وبها زرعوا بذور العنصرية والكراهية في نفوس الآخرين ، وليس هجاؤه هذا لرد الدين على قول البعض ، حيث إنه تعفف عن تهجمه على العرب في ظل الإسلام تقديرا لدور الدين في تحضيرهم . ولا لرد العربية كلها ، إذ إنّه أتقن العربية وتكلّم بها