الحضارات ، كما هي الحال في شعر لبشار وأبي نواس والخريمي وأبي العتاهية وسواهم » ( أبوحاقة 81 ) . حيث نرى التزام الشاعر في اندماجه الكلي في الصراع الاجتماعي الذي تخوضه الفئات المقهورة ، ضد قوى الاستغلال والقهر ، وذلك راجع إلى كون أدبهم في أهاجيهم الكاريكاتورية ، سهل المتناول والفهم ، وقدرته العظيمة برسم الصور على الإقناع ، وقوة تأثيره العاطفي التي تجعل منه سلاحا جبارا في الصراع ، ولهذا فإنّ الشعراء الشعوبيين استخدموه كمعبّر عن أفكارهم السياسية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها ، وفي هجائهم الكاريكاتوري كانوا مؤمنين بما يدافعون عنه ، ومطالبين بالالتحام مع أصحاب قضيتهم ، إما بإعلان التزامهم وانحيازهم بشكل علني كما نجد ذلك عند بشار أو إنّ موقفهم يتكشف من خلال إبداعهم بطريقة تلقائية وغير مباشرة كما نراه عند أبي نواس . فنرى هذا الالتزام المباشر في قول بشار بن برد :
أعَاذلَ لا أنَامُ عَلَى اقْتِسَارِ * وَلا ألْقَى عَلَى مَوْلىً وَجَارِ « 1 »
أحِينَ لَبِسْتَ بَعْدَ العُريِ خَزاً * وَنَادَمْتَ الْكِرامَ عَلَى العُقارِ « 2 »
تُفاخِرُ يابنَ رَاعِيةٍ وَرَاعٍ * بَني الأحرارِ ، حَسبُك من خَسارِ
وكُنْتَ إذا ظَمِئْتَ إلى قَرَاحٍ * شَركْتَ الكَلْبَ فِي وَلْغِ الإطارِ
وتَقْضِمُ هامَةَ الجُعَلِ الْمُصَلَّى * ولا تُعنى بدُرّاج الدّيارِ « 3 »
وفَخرُكَ بَينَ يَرْبُوعٍ وضَبٍ * على مِثْلِي من الحَدَثِ الكِبَار « 4 »
مقامُكَ بَيْنَنَا دَنَسٌ عَلَيْنَا * فَلَيْتَكَ غَائِبٌ فِي حَرِّ نَارِ
( 313 : 2 - 316 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 10 )
لا شكّ أنّ الحياة في العصر الأموي وذاك المجتمع بما رآه من احتقار العرب للموالي هو الذي أجبر بشاراً على اختيار مجال رؤيته للعرب ، بل إنّ شعراء العرب هم الذين بدأوا بالعدوان وجهروا بتحقير الموالي ، كما قال محمد بن بشير الخارجي :
هامش
( 1 ) - الاقتسار : القيام بعمل ما قسراً لا طوعا .
( 2 ) - العقار : معاقرة الخمرة وشربها .
( 3 ) - الجُعل : الخنفساء السوداء .
( 4 ) - يربوع وضب : هنا يقصد بهما وليس قبيلتين .