أذهَبَ عَنْكُمْ نِخْوَةَ الجَاهِلِيَةِ وَفَخْرَهَا بِلأبَاءِ كُلُّكُمْ لآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرابٍ ، لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَميٍّ فَضلٌ إلا بالتَّقْوَى » ( الكليني 246 : 8 ) ( المجلسي 137 : 21 - 138 ) .
فلقد ذهبوا إلى أنّ لكل أمة من الأمم فضائل ومزايا ، فلا يحق لأحد أن يقوم بتفضيل أمة على أمة أخرى . وتأييدا لهذا لابد أن نشير إلى قول أبي حيان التوحيدي الذي يقول : « لكل أمة فضائلُ ورذائل ولكل قوم محاسنُ ومساوء ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحَلِّها وعقدها كمال وتقصير ؛ وهذا يَقضِي بأن الخيرات والفضائل والشرورَ والنقائض مُفاضَة على جميع الخَلْق مفضوضةٌ بين كلِّهم . فللفُرس السياسة والآداب والحدود والرسوم ؛ وللرُّوم العلم والحكمة ؛ وللهند الفِكْر والرؤية والخفة والسحر والأَناة ، وللتُّرْك الشجاعة والإقدام ؛ وللزَّنْج الصبر والكَدّ والفرح ؛ وللعرب النَّجْدة والقِرَى والوفاء والبلاء والجود والذِّمام والخطابة والبيان » ( 73 - 74 ) . وقوله أيضا : « أنَّ الأمم كلها تقاسمت الفضائل والنقائص باضطرار الفِطْرة واختيار الفكرة » ( 74 ) . فلذلك كان الشعوبيون يسمون حركتهم « حركة التسوية » ، أي التسوية بين حقوقهم وحقوق العرب . ولما أحسّ العرب بتفوق عنصرهم الذي كان منه النبي ( ص ) والخلفاء والأمراء وافتخروا بعنصرهم ولم يساووا بين العرب والموالي ، فلابد للشعوبيين أن يرموا إلى الحط من العنصر العربي وإلى التعصب لغير العرب واعتبارهم بتاريخهم العظيم الأسمى من العرب . فهذا الأمر أدى إلى ظهور لون من الالتزام في الأدب ، حيث إنّ مفكريهم اهتموا بالتفوق في مجالات الأدب والشعر والتفسير والفكر ، وذلك ضمّن لهم التفوق في المجال السياسي والاجتماعي والفكري ، وأصبح منهم العديد من الأدباء والمفسرين والمؤرخين .
وهكذا بظهور حركة الشعوبية في العصر العباسي ، دخل تطور الالتزام في مرحلة جديدة نتيجة التناحر الطبقي في المجتمع ، وأفرز أدبا خاصا بالطبقات ، وصياغة مفهومه بشكل متكامل قد رافقت ظهوره في شعر الشعراء الشعوبيين ، لا سيما في هجائهم الذي يمثل حربا باردا بين الموالي والذين احتقروهم من العرب ؛ فكان « يلتزم موقف العجم فيذهب إلى تأييد الشعوبية ويروج لادعاءاتها ، ويزري بالعرب وبداوتهم ويعيّرهم تقصيرهم في ميدان
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 298
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٩٨