تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
عناصر غير عربية كالمأمون والمعتصم وغيرهم من الخلفاء الذين يساعدونهم في هذه النزعة . فكل هذا مما جعل الفرس في هذا العصر أكثر جرأة وصراحة مما كانوا عليه في العصر الأموي الذي كانت الغلبة فيه للعنصر العربي . والعرب في رأيهم هم الذين قوّضوا دولتهم في عصر الفتوحات الإسلامية واحتلّوا بلادهم وصيروا أهلها أتباعا لهم ، ثم نمى لديهم شعور بالاستعلاء الذي كان أبرز ضروبه صادراً من بعض الحكام العرب والساسة الأمويين ، بينما أنّ الفرس كانوا أكثر تحضرا من العرب ، وأكثر مدنية ، وقد دخلوا الإسلام بأعداد هائلة . فلذلك أصبحت الشعوبية في العصر العباسي حركة واسعة ونزعة قوية من النزعات المنتشرة بين الناس ، لها رجال وأبطال كثيرون وألفت فيها الكتب وأنشئت فيها الرسائل . أمّا الشعوبية فكانت نزعة أكثر منها عقيدة . فهي لم تكن عقيدة محدودة التعاليم لها شعائر ظاهرة معينة ، كما نراه في المذاهب الدينية ، إذ هي حركة ترمي إلى تحرير وتخليص العناصر المغلوبة المضطهدة التي احتقرها العرب ، بل هي نوع من الأسلحة التي حملته هذه العناصر ضد العنصر العربي . وأشبه الأستاذ أحمد أمين هذه الحركة بالديمقراطية حيث يقول : « بل هي في الحقيقة نوع من الديمقراطية يحارب أرستقراطية العرب ، لذلك لا نستطيع أن نحصر معتنقيها ؛ فهم في كل بلد وفي كل قطر ومن كل جنس كما لا نستطيع أن نحصي من ينزعون إلى الديمقراطية ، أو الاشتراكية » ( ضحى الإسلام 58 : 1 ) . وعلى هذا كان الشعوبيون يمثلون كل الذين ذهبوا إلى أن العرب ليسوا أفضل من غيرهم من الأمم وليست هناك أية أمة يمكن أن تفضل على غيرها من الأمم . وأنّ الناس كلهم من طينة واحدة وسلالة رجل واحد ( انظر : ابن عبد ربه 542 : 2 ) . وهكذا قد سلك أصحاب هذه الحركة طريقا منطقيا لحد ما ، وقد كانت حجة هؤلاء كما نرى عقلانية ، وتستند إلى براهين الواقع والدين احتجاجا بهذه الآية الشريفة :
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ )
( الحجرات 13 ) ، وبقول النبي عليه الصلاة والسلام : « المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ تَتَكَافأ دِماؤُهم وَيَسْعَى بِذمَّتهم أدناهم ، وَهُم يَدٌ عَلَى مَن سواهم » ( المجلسي 148 : 74 ) ، وكذلك قوله الشريف : « أيها الناس ، إنّ اللهَ