عسفا من الحكم الأموي ، ولهذا كثرت المحاولات للخروج على النظام في هذا العصر وتعددت اشكاله ومستوياته . وليس المجون الذي عرف به ذلك العصر سوى شكل من اشكال هذا الخروج الذي كان وليد خيبة الأمل بعد أن أدرك الناس أنّ البلاء راكد . كما أنّ الظروف الاجتماعية الحافلة بالقلق والمليئة بالمشكلات ، تدعو وبشدة إلى الأدب الملتزم . إضافة إلى هذا إن الوضع الحضاري في هذا العصر ، جعل الشعراء أمام واجبات متعددة ومتنوعة ، لا يمكن القيام بها إلا من خلال مستوى متقدم من البراعة في فن الشعر وميادينه المختلفة ، ومن أهمها ميدان الهجاء الكاريكاتوري الذي نما في ظل قدر متاح من الحرية في هذا العصر . حيث إنه قد عكس أبرز المعاني وأشدها سخرية ، وهو في كثير من الأحيان لعب دورا أشد من النقد اللاذع الجاد ، إذ اعتبرناه الكلمة المصورة أو المرسومة التي انتقلت من مجال السخرية بقصد الإضحاك فحسب ، إلى معرض معالجة القضايا الجادة كالقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية . فكان هذا الفن الهجائي يعتبر من الفنون السهلة والصعبة في الوقت نفسه ، وراصدا هزليا للواقع ولكل المتغيرات والتناقضات الموجودة في العلاقات الاجتماعية والسياسية في مجموعة من الأفكار والرسوم بالألفاظ .
لقد علم الشاعر الكاريكاتوري في العصر العباسي أن لا يكتفي بعرض مشاعره الفردية ، بل ينبغي عليه أن يبدع هجائه الساخر بالصور المرسومة ، ويجعله ممزوجا بأفكاره الإنسانية وتجارب حياته الاجتماعية ، ليبدع بذلك فنا متساميا يحظى بترحيب الشعب . فلم يكن عنده الهدف من الهجاء الكاريكاتوري هو تصوير وجوه الأشخاص أو الأحداث بشكل ساخر فحسب ، بل كانت له أهداف أخرى مثل النقد الساخر لبعض المواقف والقضايا ، أو التعبير عن بعض الأحاسيس الإنسانية التي يبغي الشاعر التأكيد عليها ، ولعلّ هذا مطابق لما يذكر « جاك ليتيف » « 1 » أنّ الصورة الكاريكاتورية تبحث عن إثارة السخط وبعث الضحك ، فهي لا تقلّ سببا وأهمية عن أي فن آخر ، وهي وحدة متكاملة بين الشكل والمحتوى تستهدف التعبير أكثر من الجمال . ومواضيعها الأشخاص والأفكار والأحداث والعادات ، . . . وهي تقوم
هامش
( 1 ) -Jacques Letheve