ترجمة ذلك كله عملًا غايته نشر الاسلام والتمكين له في الأرض » ( أبوحاقة 69 - 70 ) . وبذلك يتحدد مفهوم الالتزام في شعر هذا العصر أن ينافح الشاعر المسلم عن عقيدته الاسلامية ويدافع عن تعاليمها وأهدافها ، وتعظيم رسولها ، والاعتزاز بها ، وذكر أيام المسلمين ووقائعهم .
وفي العصر الأموي نرى أنّ السياسة دخلت في كل الأغراض الشعرية ، فتنوعّت اتجاهات الشعر تنوع الأحزاب والمذاهب ، وأصبح الشعر مرايا تعكس الصراعات السياسية والتنازعات الإيديولوجية . وكانت القصيدة لدي شعراء كل حزب تروّج مذهبه وتتغنى بزعمائه ومبادئه وترد على الخصوم وتجادلهم . وكان كل واحد من الشعراء يقبل أن يعاني من أجل جماعته التي ينطق باسمها ، وينساب التزامه عبر شعره الذي يصوّر عقيدته وايمانه . « فهو التزام واضح صريح ، قائم على مذهب معيّن يتجلى في الموقف الذي يقفه الشاعر من الخلافة ومن سائر الأحزاب » ( أبوحاقة 72 ) .
6 - 4 الالتزام في الهجاء الكاريكاتوري في العصر العباسي
لقد بلغ الشعر العربي في العصر العباسي - وهو تمثل ربيع الحضارة العربية وعصرها المزدهر - ذروة نضجه السياسي مع نضوج الثقافة العربية . حيث تفاعلت الثقافة العربية مع حضارات الفرس والهند واليونان والرومان والسريان والمصريين ، فامتزجت كل تلك الحضارات في عولمة ثقافية ضخمة صاغتها الحضارة العربية الإسلامية التي جعلت العرب في العصر الوسيط حملة لواء الثقافة والأدب والعلم والحضارة ، وهذا النضج الحضاري الضخم كان البيئة التي أنجبت شعراء على مستواها من وزن بشار وأبي نواس ودعبل وابن الرومي والمتنبي ، « فطبيعي أن يرقى الشعر في هذا المحيط وأن يتطوّر ويتعمّق ويزداد أصالة وغنى ، وأن ينعكس ذلك كله في ما نحا منه نحو الالتزام » ( أبو حاقة 81 ) .
من جانب آخر كان وضع البلاد الإسلامية في هذا العصر وما آلت إليه من تشرذم ومن تآمر الخلفاء والوزراء والولاة وتكالبهم عليها ، تدعو الكل إلى تجنيد الجهود للعمل على تحرير البلاد من هذا الاضطراب والظلم ، وذلك لأنّ الحكم العباسي لم يكن أقل جورا
و