تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
العربي ، قد ألمّا بمعنى اللؤم ونسباه إلى مهجويهما » ( حاوي 553 ) ، لكنّهما لم يوفقا في رسم الصور الكاريكاتورية مثل ما يرسمها شاعر خالق كابن الرومي الذي يتفوّق بقدرته الخيالية أن يستمد من المبالغة في خلق صوره الكاريكاتورية الفريدة في الشعر العربي ؛ كتلك الصورة التي يبالغ في رسمها حيث يقول :
تخَالُهُ أبَداً مِنْ قُبْحِ مَنْظَرِهِ * مُجَاذِباً وَتَراً أو بَالِعاً حَجَرا
( 341 : 3 ) فلا شكّ أنّ الشاعر بلغ في رسم هذه الصورة إلى حد الغلو والمستحيل ، إلا أنّه باستخدام فعل « تخال » الذي يوحى بالتشبيه أراد تقوية الواقعية في رسم هذه الصورة . وعلينا أن ننتبه إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الأشكال المكبّرة عند ابن الرومي وغيره من الشعراء الكاريكاتوريين تخالف سنّة العرب التي تنظر إليها رمزا للتعظيم ، كما في مدحهم نجاد السيف ، والمهيب الذي يشبه الطود ، حيث ترمز هذه الأشياء والأشكال إلى المهانة والقبح من خلال السخرية المولّدة عن التضخيم ، ويستغلّها للنيل من خصومه ، فأسلوب المبالغة عندهم يجرى على سبيل الهجو لا في طريق المدح . فمثلا يقول ابن الرومي :
طُوْلٌ وَعَرْضٌ بِلا عَقْلٍ وَلا أدَبٍ * فَلَيْسَ يَحسُنُ إلا وَهْوَ مَصْلُوبُ فِيلٌ وَأوْزَنُ مِنْهُ لَوْ يُوَازِنُهُ * فِي الحِلْمِ وَالْعِلْمِ لا فِي الْجِسْمِ يَعْسُوبُ
( 330 : 1 ) فالمهجو ليس له أية فضيلة سوى أن يمتع الناس ويضحكهم ، وما ضخامة هيكله واتساعه إلا لضخامة السّخف والهزال العقلي في باطنه ، وقد بحث الشاعر ليجد حسنة واحدة يمدح بها الرجل ، فلم يجد إلا أن يصلبه ، فيظهر للنّاس طوله وعرضه . وهكذا حاول ابن الرومي أن يوغل في اللامعقول لكي يمسخ مهجوه ويرسم له صورة ساخرة تماماً ، كأغلب أقواله في الهجاء الكاريكاتوري وقوله هذا :
لَهُ قُرُونٌ سَمَقَتْ فِي العُلا * أطَالَهَا رَبُّ الْبَرِيَاتِ يَسْتَرِقُ السَّمْعَ عَلَى قَرْنهِ * إبْلِيسُ فِي جَوِّ السَّمَوَاتِ
( 448 : 1 ) فمثل هذه الأساليب الرفيعة المستوى للمبالغة تمثل قاعدة عريضة استند ابن الرومي إلى صياغاتها في ثنايا أهاجيه الكاريكاتورية ، وتصدر عن عاطفة نفسية وانفعالية وجياشة أسهمت