بتفصيلها وتخصيصها . فلم يكتف الشاعر بوصف الأنف ، بل يقترب في وصفه هذا من الوصف الكاريكاتوري المشوه باستمداده من المبالغة في أقصى حالاتها ، إذ شبّه أنفه بالرأس وجعل المارين يحيون أنفه ، باعتباره شخصا آخر ، فانحسرت ملامح المؤذن قياسا على أنفه ، وفتق له صورا تستثير الضحك لغرابتها ، وبعد أن كان حجم أنفه يضاهي حجم رأسه ، تضخّم في الأبيات اللاحقة ، حتى غدا الفيل أفطس مقارنة به . والمبالغة في ذلك لم تتطور تطورا ، بل تجاوزت تجاوزا أو بالأحرى تضاعفت تضاعفا ، فهو لم يكتف بالمقابلة بين الأنف والخرطوم ، بل تخطى ذلك كثيرا حين جعل الفيل أفطس مقارنة به . والشاعر بهذه المبالغة عبّر عما يفيض به شعوره من حالات تبرم نفسية انعكست على واقعه .
فكما نلاحظ في هذه النماذج الهجائية المعتمدة على الغلو لرسم الصورة الكاريكاتورية ، أنّ ذلك الحد المستحيل أو المستبعد من المبالغة في أوصاف ابن الرومي الهجائية ، هو ما يعتبر ميزان الجودة في تصاويره الكاريكاتوري . فأكثر هذه التصاوير تتمتّع بهذا الحسن البلاغي في الصورة الشعرية ، كتلك الصورة البالغة في البشاعة التي رسمها لأبي حفص الورّاق ، فجعل من صلعته مرآة الفولاذ ، ويصف بالمبالغة رنين الصلعة تحت الأكف ، ويجعلها سيمفونية مطربة يشرف عليها ملحن حاذق ، لِتجاوب أصداء هذا الرنين في أرجاء بغداد كلها ، ولِتعوّد الضرب عليها كان لها هذا الرنين . فيقول :
يَا صَلْعَة لأبي حَفْص ممرَّدة * كأنّ سَاحَتَهَا مِرآة فُولادِ
تَرنّ تَحتَ الأكُفِّ الواقعات بِها * حَتَى تَرِنّ لهَا أكْنَافُ بَغْدَادِ
كَمْ مِنْ غِنَاءٍ سَمِعْنَا فِي جَوَانِبِهَا * مِنْ حَاذِقٍ بِلُحُونِ الصَّفْعِ أسْتَاذِ
لا شَيْءَ أحْسَنُ مِنْهَا حِينَ تَأخُذُهَا * من الأكُفِّ سَماءٌ ذات إرذاذِ
( 113 : 2 )
فابن الرومي في حرصه على ترسيم الصور الكاريكاتورية للمهجو ، يبالغ في افتراض شتى مظاهر القبح والتشويه واللؤم ، وهي افتراضات تفصح عن وظيفة الخلق الكاريكاتوري في هجائه . فهو لا يتلقف المعاني والصور المطروحة في الطريق ، بل إنه يستخرج هذه الصور الساخرة من رحم قريحته العجيبة ، وإن كان الحطيئة وجرير ، « رائدي الهجاء في الشعر