وَلِحْيَةٍ يَحْمِلُهَا مَائِقٌ * مِثْلِ الشِّراعَيْنِ إذَا أشْرَعَا « 1 »
تَقُودُهُ الرِّيحُ بِهَا صَاغِراً * قَوْداً عَنِيفاً يُتْعِبُ الأخْدَعَا « 2 »
فَإنْ غَدَا وَالرِّيحُ فِي وَجْهِه * لَمْ يَنْبَعِثْ فِي وَجْهِهِ إصْبَعَا
لَوْ غَاصَ فِي الْبَحْرِ بِهَا غَوْصَةً * صَادَ بِهَا حِيتَانَهُ أجْمَعَا
( 192 : 4 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 15 )
ويقترب ابن الرومي في صوره هذه من الجاحظ الذي كان جلّ اهتمامه في رسم الصور الاستعانة من الحوادث الخارجية ، ليصل من خلالها إلى واقع الشخصيات التي يدرسها ، لكن المقارنة بينه وبين ابن الرومي لا تسوغ إلا من حيث الشكل الخارجي ، دون الروح الداخلية أو البواعث ، لأنّها مختلفة تماما ؛ فصور الجاحظ بريئة من النقمة والانفعال والتوتر ، التي تظهر في صور ابن الرومي الهجائية .
ومن هذا المستوى في المبالغة ، ما رسم للحية مهجوه ، حيث يلجأ إلى المبالغة في جعل ضفائر زوجته منها ولإثبات طولها واتّساعها ، ، فلو يجمع الله لحى البشر ، لا تساوي إلا بمقدار ما حذف من لحية مهجوّه ، وهذا ما خارج عن حدود العقل والعادة ، فيقول :
رَجُلٌ عَلَيْه لِحْيَة * مِنْها قَرَامِلُ زَوْجَتِهْ « 3 »
لَوْ يَجْمَعُ الله اللِحَى * كَانَتْ حُذافَةَ لِحْيَتِهْ « 4 »
( 449 : 1 )
فهذا نص وصفي يحمل من معاني السخرية والمبالغة في الاستهزاء بأصحاب اللحية ، ما يعكس معه موقف ابن الرومي منهم في عصره ، وما يجيش في صدره تجاههم من العداوة والبغضاء .
وفي بعض الأحيان نرى أنّ ابن الرومي في سبيل تحقق المبالغة في صوره ، يلجأ إلى التشخيص ، ويستفيد من صيغة المثنى في خطابه . لأن اللحية تمثل عنده عدوا آخر مثل ما نجده في هجائه لأبي حفص الوراق ، عندما يقول :
هامش
( 1 ) - مائق : أحمق
( 2 ) - الأخدع : عرق في جانب العنق .
( 3 ) - القرامل : جمع قرمل وهو ما تشدّه المرأة في شعرها .
( 4 ) - حذافة لحيته : ما حذف منها .