تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
عن الإسراف في الابتعاد بين طرفي المقابلة » ( الحر 78 ) ، ذلك في شكلها الخارجي ، أمّا في روح أسلوبها الداخلي فتقوم على عزل الملمح الشاذ عن سائر الملامح ، والإمعان بتغطيته والغلو في إظهاره ، حتى ليبدو كثير الغرابة ومثيرا للدهشة . ولما علمنا أنّ الأساس في الهجاء الكاريكاتوري ليس رسم الضحكة على شفاه القراء والسامعين فقط وإنّما الهدف منه جلاء الذهن والتمكن من رؤية الواقع بلا ألوان خدّاعة وكشف ما يغيب عن الأذهان ، فكان من حق الهجّاء الكاريكاتوري أن يغيّر الخطوط الطبيعية من أجل التعبير عن رأيه . فإنّ هذا الخروج عن حدود الواقع هو محور الهجاء الكاريكاتوري ، مما جعله من أقرب الوسائل إدراكا لفئات كبيرة من المجتمع وأسرعها تأثيرا ، من حيث إنّ له القدرة على النقد بما يفوق النصوص الخطابية والمقالات ، والكتابات النقدية أحيانا . فإنّ المبالغة في الصور الكاريكاتورية الشعرية عند الشعراء العباسيين ، تعكس واقعا مهما من شخصيتهم الذاتية وطبيعة تفكيرهم في مرحلة ما من مراحل حياتهم مما يشير إلى أنّ ما رسموه في أهاجيهم الكاريكاتورية صادر من طبعهم وأنّه قد نسج من سجيتهم دون تكلف أو تصنع ممقوت . فكان من الخطأ ، اعتبار فن الهجاء الكاريكاتوري هو فن التشويه فقط ، بل هو أيضا فن التضخيم والمبالغة . وهذه المبالغة معيارها الفني هو الصدق ، ونقصد بالصدق ، الصدق الشعوري النفسي ، والكلام المطابق مع أحاسيس الشاعر ، وليس الصدق الواقعي النموذجي الذي طالب النقاد القدماء به الشعراء ( انظر : الكفراوي 180 - 189 ) . فهذه المبالغة وإن نرى مثلها في الهجاء والمدح ، إلا أنّها في الهجاء الكاريكاتوري لا تتحوّل إلى قذف وشتائم في كثير من الأحيان ، وكذلك لا تتحول كما في فن المديح إلى لون من النفاق . وأخيرا لقد كشف البحث في هذا الفصل أنّ المبالغة سمة معنوية ولفظية يستشعرها القارئ أو السامع في الهجاء الكاريكاتوري ، وتلوح بينة واضحة على المشابهة الكثيرة التي تكون بين الهجاء الكاريكاتوري والكاريكاتور . بينما تعكس المبالغة هاجسا نفسيا ومعنويا لقدرة الشعراء الكاريكاتوريين البلاغية ، ومدى تفوقهم الأدبي .