إنَّ أبَا حَفْصَ وَعُثْنُونَهُ * كِلاهُمَا أصْبَحَ لِي نَاصِبَا « 1 »
قَدْ أُغْريَا بِي يَهْجُوانِي مَعاً * وَحْدِي وَكَانَ الأَكْثَرُ الغَالِبَا
أقْسَمْتُ مَا اسْتنجدَ عُثْنُونَهُ * حَتَى غَدَا لِي خَائِفاً هَائِبَا
إنْ كَانَ كُفْؤاً لِيَ فِي زَعْمِهِ * فَلْيَعْتَزِلْ لِحْيَتَهُ جَانِبَا « 2 »
( 146 : 1 )
فالمبالغة هنا من الغلو المقبول لتضمنه جانبا حسنا من التخييل ، فتلك الأوصاف هي غاية في الاستخفاف تنبئ عن صاحب اللحية ومنتهى السخرية والاستهزاء . فاستخدم الشاعر المبالغة في وصف اللحية لتزيد النفوسَ زيادةُ الوصف تحريكاً ، حيث يريد تقبيح المهجو ، فكأنّه « يرى بعض الأحوال المقدرة التي يتخيلها أهز من الأحوال التي وقعت له فيبنى قوله على الحال المخيلة الممكنة دون الواقعة ، ليكون الكلام بذلك أشد موقعا من النفس وعلوقا بالقلب » ( القرطاجني 82 ) .
ويظهر التضخيم والمبالغة بصورة أوضح في قول ابن الرومي في المؤذن دبس :
لَوْ أنَّ إبْلِيساً رَآ * كَ لَكَانَ ذعرا يُبْلَسُ
وَإذَا جَلَسْتَ أذَى خُشَامُ - * - كَ مَنْ يَضمّ المْجْلسُ
وإذا نَهَضْتَ كَبَا بِوَجْهِ - * - كَ لِلْجَبينِ المَعْطِسُ
فَالأنْفُ مِنْكَ لِعُظْمه * أبداً لِرأسِكَ يَعْكِسُ
حَتَى يَظُنُّ النَّاسُ أنَّكَ * فِي التُرابِ تَفَرَّسُ
إنْ كانَ أنْفُكَ هكَذَا * فَالْفِيلُ عِنْدَكَ أفْطَسُ
وإذا جَلَسْتَ عَلَى الطَّرِي - * - قِ وَلا أرَى لَكَ تَجلِسُ
قِيلَ : السَّلامُ عَلَيْكُمَا * فَتجيبُ أنْتَ ويَخْرسُ
( 278 : 3 - 279 )
لاشكّ أنّ ابن الرومي يعرف كيف يجعل من التعليل والتفسير مبالغة تؤكد المعنى وتثبته بالبيّنات والبراهين . فهو يبدأ بوصف حالة خاصة من المهجو ، وبعد ذلك العرض العام يقوم
هامش
( 1 ) - العثنون : اللحية تحت الذقن ، الناصب : المضايق والمتعب .
( 2 ) - الكفؤ : النظير في المبارزة .