تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
في تكوّن نظرته ومواقفه التي تمثلت في ما ينظم ، فكان أسلوب المبالغة هو وسيلته في « الكشف عن طبيعة الشعور ، والقدرة على التأثير في المخاطبين ، ومحاولة إشراكهم لحظات الإحساس ، فضلا عن كونها زفرة لما تعتمل به النفس لأنّ النفس الإنسانية تمل الواقع إذا لاصق وتميل إلى ما يحلق بها » ( شادي 91 ) ، والتي تآزرت مع متانة الصياغة ، وجودة التعبير ودقة التصوير ، في عرض المعنى وبيان الغرض . أمّا المتنبي فكان أشدّ احتفالا بالمبالغة في صوره الشعرية ، ولا تستثنى من هذا الأمر أوصافه الهجائية اللاذعة المستخدمة في تناول عاهات مهجويه المميزة وتضخيم هذه المميزات ، كقوله في هجاء كافور عندما يلتفت إلى لونه الأسود وعظمة شفتيه ويبالغ في وصفها ، حيث يقول :
وأسْودُ مِشْفَرهُ نِصْفُه * يُقَالُ له : أنتَ بَدْرُ الدُّجَى
( 405 : 2 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 14 ) فهذه الصورة تقوم على الغلو ، إذ رسم الشاعر مهجوه قبيح الوجه وجعل شفته قدر نصفه ، ثم زاد على هذه الصورة الساخرة عندما شبّهه بالبدر ، والبدر مشتمل على الجمال والإشراق ، أمّا الأسود القبيح الخلقة كيف يشبه البدر ومتى ؟ . ومن أبرع مبالغاته التي اتبع فيها أبي الطيّب سياق الغلوّ ، ما رسم في هجاء قوم للإشارة إلى طيش أحلامهم قائلا :
أمَاتَكُمُ مِنْ قَبْلِ مَوْتِكُمُ الْجَهْلُ * وجَرَّكُمُ مِنْ خِفَّةٍ بِكُمُ النَّمْلُ
( 396 : 1 ) فيصورّ الشاعر المهجوين وقد أماتهم الجهل قبل موتهم ، لأنّهم لا يعقلون ولا ينتفع بهم فكأنّهم أموات . ثمّ يبالغ في رسم خفّتهم عن طيش أحلامهم ، إذ نقل هذا الطيش إلى أجسامهم حتى جرّها النمل من خفّتها . فإذا تحرّينا أمر هذه الصور ألفينا أنّ الشاعر الكاريكاتوري قد تميّز بفطنة عجيبة في اكتشاف نسب ذهنية بينها في فكره وبين المظاهر في الطبيعة . فهذا أسلوب مبالغة المعنى من خلال غلوٍ يقصر عنه تطوّر الذهن ، خاصة فيما يستحيل تمثيله وتحقيقه في الواقع . فالصورة الكاريكاتورية هنا تختلف عن الصورة العاديّة في الاختلال بين طرفيها ، واستمالة معانيها ، حيث إنّ « المبالغة في الوصف الكاريكاتوري ناجمة