تَبْكِي الثِّيَابُ عَلَيْهِ مُعْوِلَةً * أنْ قَدْ يَجُرُّ ذُيُولَهَا كَلْبُ
( 403 )
فمعلوم أنّ بكاء الثياب مما لا يمكن عقلا ولإعادة ، إلا أنّ هذا الأمر يجوز عند الشاعر لكي يعطي الصورة شحنة كاريكاتورية يصل الشاعر بذلك إلى أفضل ما يريد الوصول إليه من السخرية والضحك .
أمّا التضخيم من نوع الغلو عند دعبل فيظهر في كثير من لوحاته الساخرة ، ولعلّ ما رسم لآل بسام في هجائه لهم من المبالغات المميزة في سياق الغلو في الصور الكاريكاتورية ، حيث يقول :
يَا آلَ بَسّامِ فِي المَخَازِي * وَعَابِسِي الوَجْهِ فِي السُّؤالِ
حَواجِبٌ كَالجِبالِ سُودٌ * إلى عَثَانِينَ كَالْمَخَالِي
( 157 )
ففي هذه الصورة الكاريكاتورية يعمد الشاعر وعن قصد في رسمه إلى درجة كبيرة من المبالغة في الشكل والتضخيم تصل إلى أعلى درجات السخرية والنقد ، كي يعطي الفنان الانطباع المشهدي المؤثر والمحرض معا . فهي من أرقى مستويات المبالغة التي تأتي للتعبير عن دقائق المعنى وتبين عن غاية الوصف في الغرض المراد ، في حلة من التصوير البياني والفصاحة الأسلوبية ، كما نرى هذا الأمر في استهزائه بقينة ابن زيات فجعل قبحها يفوق قبح الشيطان ، وبالغ في وصف سوادها إلى حدّ يتحوّل فيه نور الصباح عند سفورها إلى ظلمة الليل ، وهذا كناية عن الهمّ والغمّ اللذين تثيرهما ، فيقول :
إنَّ ابْنَ زَيَّاتٍ لَهُ قَيْنَةٌ * أرْبَتْ عَلَى الشَّيْطانِ فِي الْقُبْح
فَلَوْ بَدَتْ حَاسِرَةً فِي الضُّحَى * لأسْوَدَّ مِنْهَا فَلَقُ الصُّبْح
( 79 )
أمّا ابن الرومي فمن أبرع المبالغة التي ساقها سياق الغلو في غرض الهجاء ، تلك الصورة المتشكلة من لحية تشبه الشراع ، ثم الشبكة التي تصيد الحيتان مبالغة في ضخامتها ، فاعتمد الشاعر الغلو الباعث على الضحك والسخرية من خلال استحضار هذه اللحية في الذهن ، فيقبل القارئ هذه الصورة وإن تخرج عن حدود العقل والعادة . حيث يقول :