تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
وفنية ، إلا أنها تظهر في الغلو ظهوراً يُبلغ المعنى إلى أقصى غايات الجمال ، والدقة في التعبير . ومن أقوال النقاد عن أهمية الغلو في الشعر ، قول قدامة : « إنّ الغلو عندي أجود المذهبين ، وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء قديما ، وقد بلغني عن بعضهم أنه قال : أحسن الشعر أكذبه ، . . . فإنّما يريد به المثل وبلوغ النهاية في النعت ، وهذا أحسن من المذهب الآخر مذهب الاقتصاد ولزوم الحد الأوسط » ( قدامة 19 ) . فالشاعر الكاريكاتوري في ما يرسم لمهجوه من لوحات ساخرة يسعى أحيانا إلى تجاوز حدود العادة والعقل في مبالغاته إلى حدود التخيّل والتصوّر لكي لا تخلو من تمام آلة الجمال في التعبير اللفظي ، بل تبلغ بالتصور إلى أقصى غايات الغرض من الوصف الهجائي الساخر . فمبالغاته ولاسيّما في اللوحات التي استخدم فيها التشخيص ، من نوع الغلو في الصياغة ، كقول بشّار في هجاء صالح بن داود « 1 » ، حيث يقول :
هُمُ حَمَلُوا فَوْقَ الْمَنَابِرِ صَالِحاً * أخَاكَ فَضَجَّتْ مِنْ أخِيكَ الْمَنَابِرُ
( 404 : 2 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 13 ) فاستعان الشاعر بالتشخيص للوصول إلى الغلو في رسم لوحته الساخرة للمهجو ، حيث صوّر المنابر وهي تتضجّر منه وتصيح لكي تجلب الآخرين لفزعها منه . ومثل هذا الغلو في التصوير الهجائي الساخر ما رسم من بكاء الحرير حين لامس جلد سهيل بن سالم ، وعويل عود الخيزران النفيس حين أخذه المهجو ، والوسائد حين توضع لكي يتكئ عليها ، إذ لا تليق هذه الوسائل إلا للعظماء والملوك ، فتشكو وتضجر عندما يستخدمها المهجو . ويقول بشار في رسم هذا التصوير :
بَكَى الخَزُّ لَمَّا مَسَّ جِلْدَ ابْنِ سَالِمِ * وَأَعْوَلَ عُوْدُ الْخَيْزَرَانَةِ وَالأُسُدُ « 2 »
( 164 : 2 ) ومثل هذا الغلو ما رسم أبو نواس لثياب الخصيب عندما قال عنها تبكي لجرّه ذيولها ، فيقول :
هامش
( 1 ) - هو الذي ولاه الخليفة المهدي البصرة وهو أخ يعقوب بن داوود وزير المهدي الذي أوغر صدر الخليفة على بشار . ( 2 ) - الأسد : بضم الهمزة والسين ، جمع إسادة بكسر الهمزة لغة في الوسادة ، والوسائد تجعل للملوك والأمراء على الأسرّة .