أطْلَقَ الجِرْذَانَ بِاللَّيْلِ * وَصِحْ : « هَلْ مِنْ مُبَارزْ ؟ »
( 240 : 3 )
ونلاحظ في هجاء المتنبي لابن كيغلغ ، أيضا مبالغة من مستوى الإغراق ، حيث يقول :
يَقْلَى مُفَارَقَةَ الأكُفِّ قَذَالُهُ * حَتّى يَكادَ عَلَى يَدٍ يَتَعَمَّمُ « 1 »
وجُفُونُهُ ما تَسْتَقِرُّ كأنّهَا * مَطْروفَةٌ أو فُتَّ فِيهَا حِصْرِمُ
وَإذَا أشَارَ مُحَدِّثاً فَكَأنَّهُ * قِرْدٌ يُقَهْقِهُ أوْ عَجُوزٌ تَلْطِمُ
( 11 : 1 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 2 )
فكراهية قفا المهجو مفارقة الأكف ، لما ألف به من صحبتها في الصفح ، وتعمّمه على يد لئلا يخلو منها ، هي تلك المبالغة التي استخدمها المتنبي في لوحته الساخرة لكي يعكس ما يجيش في صدره تجاه المهجو وإن لم يخرج في مبالغته هذه عن حدود المعقول ، وكذلك في مبالغته لما رسم من عدم استقرار جفون المهجو ، وتشنج وجهه والإشارة باليد لعدم قدرته على البيان ، حتى ينتهي إلى خلق صورة بالغة في البشاعة في حديث المهجو وهي صورة قرد يضحك وعجوز تلطم . فلعلّ رغبة المتنبي في تحقير المهجو هي التي دفعته باتّجاه تضخيم الصورة عبر شحنها بتشبيهات قائمة على المبالغة ؛ حيث إنّ هذه المبالغة تثير السخرية من المهجو وتدفع الآخرين إلى الضحك .
فكما نرى في هذه الأبيات أنّ المبالغة لا تستند إلى وقائع غير موجودة ، وإنما تعتمد على وقائع وأحداث ومعلومات صادقة وقائمة من حيث المبدأ والأصل ، إلا أنّ الشاعر الكاريكاتوري الذي يصفها أو يعبر عنها ، يعمد إلى التحوير في تفاصيلها أو التغيير في معطياتها وملامحهها ، سواء بالإضافة أو الحذف أو التعديل ، وغالبا ما يلجأ في ذلك إلى التهويل وإضافة المؤثرات وأساليب التشويق ، لكي يجعل الحديث أكثر التفاتا وجذبا وإثارة ، سعيا نحو التأثير في المتلقي ، وتأثيرا يتناسب مع دوافعه وأهدافه ، وإن يمكن أن لا تعدو تلك الدوافع أن تكون نفسية بحتة أحيانا ، أو يكون الهدف منها مجرد محاولة إثبات رأي أو فكرة .
5 - 5 - 3 استخدام الغلو في خلق الصور الكاريكاتورية الهجائية
عرفنا مما سبق أنّ للمبالغة ولا سيما في الهجاء الكاريكاتوري ميزة بلاغية وسمة معنوية
هامش
( 1 ) - يقلى : بفتح اللام وكسرها ، يبغض . القذال : مؤخر الرأس